ابو القاسم عبد الكريم القشيري
105
لطائف الإشارات
كما علموا أنّ حياة الأرض بعد موتها بالمطر من قبل اللّه فليعلموا أنّ حياة النفوس بعد موتها - عند النّشر والبعث - بقدرة اللّه . وكما علموا ذلك فليعلموا أنّ حياة الأوقات بعد نفرتها ، وحياة القلوب بعد فترتها . . . بماء الرحمة باللّه . قوله جل ذكره : [ سورة العنكبوت ( 29 ) : آية 64 ] وَما هذِهِ الْحَياةُ الدُّنْيا إِلاَّ لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوانُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ ( 64 ) الدنيا كالأحلام ، وعند الخروج منها انتباه من النوم . والآخرة هنالك العيش بكماله ، والتخلص - من الوحشة - بتمامه ودوامه . قوله جل ذكره : [ سورة العنكبوت ( 29 ) : آية 65 ] فَإِذا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذا هُمْ يُشْرِكُونَ ( 65 ) الإخلاص تفريغ القلب عن الكلّ ، والثقة بأن الإخلاص ليس إلا به - سبحانه ، والتحقق بأنه لا يستكبر حالا في المحمودات ولا في المذمومات ، فعند ذلك يعبدونه مخلصين له الدّين . وإذا توالت عليهم الضرورات ، وانقطع عنه الرجاء أذعنوا اللّه متضرعين ( فإذا كشف الضّرّ عنهم عادوا إلى الغفلة ، ونسوا ما كانوا فيه من الحال كما قيل ) « 1 » : إذا ارعوى عاد إلى جهله * كذى الضنى عاد إلى نكسه قوله جل ذكره : [ سورة العنكبوت ( 29 ) : آية 67 ] أَ وَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنا حَرَماً آمِناً وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ أَ فَبِالْباطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ ( 67 ) منّ عليهم بدفع المحن عنهم وكون الحرم آمنا . وذكّرهم عظيم إحسانه عليهم ، ثم إعراضهم عن شكر ذلك .
--> ( 1 ) ما بين القوسين موجود في م وغير موجود في ص ، والسياق يتطلبه ؛ لأن الشاهد الشعرى الموجود في النسختين يؤيد معناه .