ابو القاسم عبد الكريم القشيري
70
لطائف الإشارات
على الإبداع ؛ والمعدوم مقدوره ومملوكه ، فإذا أوجده فهو في حال حدوثه مقدوره ومملوكه ، فإذا أعدمه خرج عن الوجود ولم يخرج عن كونه مقدورا له . « يُحْيِي وَيُمِيتُ » يحيى من يشاء بعرفانه وتوحيده ، ويميت من يشاء بكفرانه وجحوده . ويقال يحيى قلوب العارفين بأنوار المواصلات ، ويميت نفوس العابدين بآثار المنازلات . ويقال يحيى من أقبل عليه بتفضّله ، ويميت من أعرض عنه بتكبّره . قوله جل ذكره : [ سورة التوبة ( 9 ) : آية 117 ] لَقَدْ تابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي ساعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ ما كادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَؤُفٌ رَحِيمٌ ( 117 ) قبل توبتهم ، وتاب على نبيّه - صلى اللّه عليه وسلم - في إذنه للمنافقين في التخلف عنه في غزوة تبوك ، وأمّا على المهاجرين والأنصار الذين قد خرجوا معه حين همّوا بالانصراف « 1 » لما أصابهم من العسرة من الجوع والعطش والإعياء « 2 » في غزوة تبوك ، كما قال : « مِنْ بَعْدِ ما كادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ » : وتوبته عليهم أنه تدارك قلوبهم حتى لم تزغ ، وكذا سنّة الحقّ - سبحانه - مع أوليائه إذا أشرفوا على العطب ، وقاربوا من التّلف ، واستمكن اليأس في قلوبهم من النصر ، ووطّنوا أنفسهم على أن يذوقوا البأس - يمطر عليهم سحائب الجود ، فيعود عود الحياة بعد يبسه طريّا ، ويردّ ورد الأنس عقب ذبوله غضا جنيّا ، وتصير أحوالهم كما قال بعضهم : كنّا كمن ألبس أكفانه * وقرّب النّعش من اللّحد فجال ماء الرّوح في وحشة * وردّه الوصل إلى الورد
--> ( 1 ) وردت ( الإنصاف ) وليس لها معنى فصوبناها ( الانصراف ) فهو المقصود . ( 2 ) وردت ( الأعياد ) وهي خطأ في النسخ إذ التبست الهمزة على الناسخ .