ابو القاسم عبد الكريم القشيري

643

لطائف الإشارات

قوله جل ذكره : [ سورة الفرقان ( 25 ) : آية 56 ] وَما أَرْسَلْناكَ إِلاَّ مُبَشِّراً وَنَذِيراً ( 56 ) رسولا منّا ، مأمورا بالإنذار والتبشير ، واقفا حيث وقفناك على نعت التبليغ ، غير طالب منهم أجرا ، وغير طامع في أن تجد منهم حظّا . قوله جل ذكره : [ سورة الفرقان ( 25 ) : آية 57 ] قُلْ ما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِلاَّ مَنْ شاءَ أَنْ يَتَّخِذَ إِلى رَبِّهِ سَبِيلاً ( 57 ) « إِلَّا » أداة استثناء منقطع ؛ إذ ابتغاؤهم السبيل إلى ربّهم ليس بأجر يأخذه منهم ، فهو لمن أقبل بشير ، ولمن أعرض نذير . قوله جل ذكره : [ سورة الفرقان ( 25 ) : آية 58 ] وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ وَكَفى بِهِ بِذُنُوبِ عِبادِهِ خَبِيراً ( 58 ) التوكل تفويض الأمور إلى اللّه . وحقّه وأصله علم العبد بأنّ الحادثات كلّها حاصلة من اللّه تعالى ، وأنه لا يقدر أحد على الإيجاد غيره . فإذا عرف هذا فهو فيما يحتاج إليه - إذا علم أن مراده لا يرتفع إلا من قبل اللّه - حصل له أصل التوكل . وهذا القدر فرض ، وهو من شرائط الايمان ، فإن اللّه تعالى يقول : « وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ » « 1 » وما زاد على هذا القدر - وهو سكون القلب وزوال الانزعاج والاضطرار - فهي أحوال تلحق بالتوكل على وجه كماله . فإن تقرّر هذا فالناس في الاكتفاء والسكون على أقسام ، ولكلّ درجة من هذه الأقسام اسم : إمّا من حيث الاشتقاق ، أو من حيث الاصطلاح . فأول رتبة فيه أن يكتفى بما في يده ، ولا يطلب زيادة عليه ، ويستريح قلبه من طلب الزيادة . . وتسمى هذه الحالة القناعة ، وفيها يقف صاحيها حيث وقف ، ويقنع بالحاصل له

--> ( 1 ) آية 23 سورة المائدة . والمطلوب منا أن نلاحظ دائما ظاهرة هامة نبهنا إليها في مدخل هذا الكتاب ، وهي أن القشيري يحاول أولا استمداد المصطلح الصوفي من كتاب اللّه ، ( فالتوكل ) الذي هو ركن هام من أركان الطريق الصوفي له أصل في القرآن . ثم تأتى من بعد ذلك مرحلة البحث في تطور هذا الأصل ونموه في بينة المتصوفة .