ابو القاسم عبد الكريم القشيري

630

لطائف الإشارات

منها لم يكن البلاء كاملا ، ولكنها آلام لا تتناهى ، ومحن لا تنقضى ؛ كلما راموا فرجة قيل لهم : فلن تريدكم إلا عذابا . قوله جل ذكره [ سورة الفرقان ( 25 ) : آية 15 ] قُلْ أَ ذلِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ كانَتْ لَهُمْ جَزاءً وَمَصِيراً ( 15 ) المتقون أبدا في النعيم المقيم ؛ حور وسرور وحبور ، وروح وريحان ، وبهجة وإحسان ، ولطف جديد وفضل مزيد ، وألذّ شراب وكاسات محابّ ، وبسط قلب وطيب حال ، وكمال أنس ودوام طرب وتمام جذل ، لباسهم فيها حرير وفراشهم سندس وإستبرق . والأسماء أسماء في الدنيا والأعيان بخلاف المعهودات فيها « 1 » . ثم فيها ما يشاءون ، وهم أبدا مقيمون لا يبرحون ، ولا هم عنها يخرجون . قوله جل ذكره : [ سورة الفرقان ( 25 ) : آية 16 ] لَهُمْ فِيها ما يَشاؤُنَ خالِدِينَ كانَ عَلى رَبِّكَ وَعْداً مَسْؤُلاً ( 16 ) ولكن لا يخلق في قلوبهم إلا إرادة ما علم أنه سيفعله ، فما هو المعلوم للّه أنه لا يفعله لا تتعلق به إرادتهم ، ويمنع من قلوبهم مشيئته . قوله جل ذكره : [ سورة الفرقان ( 25 ) : آية 17 ] وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَما يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَقُولُ أَ أَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبادِي هؤُلاءِ أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ ( 17 ) اللّه يحشر الكفار ويحشر الأصنام التي عبدوها من دون اللّه ، فيحييها ويقول لها : هل أمرتم هؤلاء بعبادتكم ؟ فيتبرأون . . كلّه تهويل وتعظيم للشأن ، وإلا فهو عليم بما كان وما لم يكن . فالأصنام تتبرأ منهم ، وتقابلهم بالتكذيب ، وهم ينادون على أنفسهم بالخطأ والضلال ، فيلقون في النار ، ويبقون في الوعيد إلى الأبد . قوله جل ذكره : [ سورة الفرقان ( 25 ) : آية 20 ] وَما أَرْسَلْنا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلاَّ إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْواقِ وَجَعَلْنا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَ تَصْبِرُونَ وَكانَ رَبُّكَ بَصِيراً ( 20 ) :

--> ( 1 ) هذا تنبيه هام جدا لتوضيح حقيقة النعم التي في الآخرة .