ابو القاسم عبد الكريم القشيري
628
لطائف الإشارات
« 1 » لما عجزوا عن معارضته أخذوا يعيبونه بكونه بشرا من جنسهم يمشى في الأسواق ، ويأكل الطعام ، وعابوه بالفقر وقالوا : هلّا نزّل عليه الملائكة فيرون عيانا ؟ وهلّا جعل له الكنوز فاستكثر مالا ؟ وهلّا خصّ بآيات - اقترحوها - فتقطع العذر وتزيل عنّا إشكالا ؟ ! وما هذا الرجل إلا بشر تعتريه من دواعي الشهوات ما يعترى غيره ! فأىّ خصوصية له حتى تلزمنا متابعته ولن يظهر لنا حجة ؟ فأجاب اللّه عنهم وقال : إنّ الحقّ قادر على تمليك ما قالوا وأضعاف ذلك ، وفي قدرته إظهار ما اقترحوه وأضعاف ذلك ، ولكن ليس لهم هذا التخير « 2 » بعد ما أزيح العذر بإظهار معجزة واحدة ، واقتراح ما يهوون تحكّم على التقدير ، وليس لهم ذلك . ثم أخبر أنه لو أظهر تفصيل ما قالوه وأضعافه لم يؤمنوا ؛ لأن حكم اللّه بالشقاوة سابق لهم ، وقال :
--> ( 1 ) يذكر ابن عباس أنه لم اعبر المشركون محمدا ( ص ) بالفاقة أقبل رضوان خازن الجنة عليه وقال : يا محمد ، رب العزة يقرئك السلام ويقول لك : هذه مفاتيح خزائن الدنيا مع ما لا ينتقص لك مما عنده في الآخرة مثل جناح بعوضة فقال النبي : يا رضوان لا حاجة لي فيها ، لأحب إلى أن أكون عبدا صابرا شكورا فقال رضوان : أصبت أصابك اللّه . ورفع الرسول بصره فإذا منازله فوق منازل الأنبياء وغرفهم فدعا النبي : اللهم اجعل ما أردت أن تعطيني في الدنيا ذخيرة عندك في الشفاعة يوم القيامة . ( 2 ) يمكن أن تكون ( التحيز ) لتنسجم مع ( ما اقترحوه ) ومع ( ما يهوون ) ولكننا لا نستبعد أن تكون ( التحيز ) بالحاء لكثرة جدلهم حول ما ينبغي - في تصورهم - للرسول .