ابو القاسم عبد الكريم القشيري
624
لطائف الإشارات
شرط الاتباع موافقة المتبوع ، وألا يتفرقوا فيصيروا أحزابا كما قال : « تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى » « 1 » والعلماء ورثة الأنبياء ، والمريدون لشيوخهم كالأّمة لنبيّهم ؛ فشرط المريد ألا يتنفّس ينفس إلا بإذن شيخه ، ومن خالف شيخه في نفس - سرّا أو جهرا - فإنه يرى غبّه سريعا في غير ما يحبّه . ومن خالفة الشيوخ فيما يستسرونه « 2 » عنهم أشدّ ممّا يظهر بالجهر بكثير لأن هذا يلتحق بالخيانة . ومن خالف شيخه لا يشمّ رائحة الصّدق ، فإن بدر منه شئ من ذلك فعليه بسرعة الاعتذار والإفصاح عمّا حصّل منه من المخالفة والخيانة ، ليهديه شيخه إلى ما فيه كفّارة جرمه ، ويلتزم في الغرامة بما يحكم به عليه . وإذا رجع المريد إلى شيخه بالصدق وجب على شيخه جبران تقصيره بهمته ؛ فإن المريدين عيال على الشيوخ ؛ فرض عليهم أن ينفقوا عليهم من قوّة أحوالهم بما يكون جبرانا لتقصيرهم . قوله جل ذكره : [ سورة النور ( 24 ) : آية 63 ] لا تَجْعَلُوا دُعاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِواذاً فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ ( 63 ) أي عظّموه في الخطاب ، واحفظوا في خدمته الأدب ، وعانقوا طاعته على مراعاة الهيبة والتوقير . قوله جل ذكره : فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ « 3 » أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ
--> ( 1 ) آية 14 سورة الحشر . ( 2 ) في ص ( يستبشرونه ) وفي م ( يستسترونه ) ونحن نؤيد هذه حتى تتلاءم مع ( ما يظهر بالجهر ) فينتظم السياق بها . ( 3 ) يقال خالفه عن الأمر إذا صد عنه دونه .