ابو القاسم عبد الكريم القشيري
614
لطائف الإشارات
فهذه كلها أقسام الكون . وما من العدم لهم صار إلى العدم . القائم عنهم غيرهم ، والكائن عنهم سواهم . وجلّت الأحدية وعزّت الصمدية ، وتقدّست الديمومية ، وتنزهت الإلهية . قوله جل ذكره : [ سورة النور ( 24 ) : الآيات 36 إلى 37 ] فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيها بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ ( 36 ) رِجالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقامِ الصَّلاةِ وَإِيتاءِ الزَّكاةِ يَخافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصارُ ( 37 ) المساجد بيوته - سبحانه - وإنّ اللّه أذن أن ترفع الحوائج فيها إليه فيقضيها ، ورفع أقدار تلك البيوت على غيرها من الأبنية والآثار . المساجد بيوت العبادة والقلوب بيوت الإرادة ؛ فالعابد يصل بعبادته إلى ثواب اللّه ، والقاصد يصل بإرادته إلى اللّه . ويقال القلوب بيوت المعرفة ، والأرواح مشاهد المحبة ، والأسرار محالّ المشاهدة . قوله : « يُسَبِّحُ لَهُ فِيها بِالْغُدُوِّ . . . » لم يقل : لا يتجرون ولا يشترون ولا يبيعون ، بل قال : لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر اللّه ، فإن أمكن الجمع بينهما فلا بأس - ولكنه كالمتعذر - إلّا على الأكابر الذين تجرى عليهم الأمور وهم عنها مأخوذون « 1 » . ويقال هم الذين يؤثرون حقوق الحقّ على حظوظ النّفس . ويقال إذا سمعوا صوت المؤذن : حىّ على الصلاة تركوا ما هم فيه من التجارة والبيع ، وقاموا لأداء حقه . ويقال هم الخواص والأكابر الذين لا يشغلهم قوله : « هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى تِجارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ » عن التحقق يذكره من غير ملاحظة عوض أو مطالعة سبب . قوله جل ذكره : يَخافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصارُ
--> ( 1 ) هذا رأى حاسم في مدى وجوب السعي من أجل الرزق على طوائف أرباب الأحوال وتقدير لموقف من يعجزون عن ذلك .