ابو القاسم عبد الكريم القشيري

610

لطائف الإشارات

ثم تعاونوا على تحصيل المقصود بكل وجه ؛ من قدر يحط من مال الكتابة ، وإعانة لهم من فروض الزكاة « 1 » ، وإمهال بقدر ما يحتمل المكاتب ليكون ترفيها له . وإذا كنا في الشرع مأمورين بكل هذا الرّفق حتى يصل المملوك المسكين إلى عتقه فبالحرىّ أن يسمو الرجاء إلى اللّه بجميل الظنّ أن يعتق العبد من النار بكثرة تضرعه ، وقديم سعيه - بقدر وسعة - من عناء قاساه ، وفضل من اللّه - عن قديم - رجاه « 2 » . ثم في الخبر : « إن المكاتب عبد ما بقي عليه درهم » : والعبد يسعى بجهده ليصل إلى تحرر قلبه ، وما دام تبقى عليه بقية من قيام الأخطار وبقية من الاختيار وإرادة شئ من الأغيار فهو بكمال رقّه وليس في الحقيقة بحرّ . . فالمكاتب عبد ما بقي عليه درهم . قوله جل ذكره : وَلا تُكْرِهُوا فَتَياتِكُمْ عَلَى الْبِغاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَياةِ الدُّنْيا ، وَمَنْ يُكْرِهْهُنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْراهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ . حامل العاصي على زلّته ، والداعي له إلى عثرته ، والمعين له على مخالفته تتضاعف عليه العقوبة ، وله من الوزر أكثر من غيره ، وبعكسه لو كان الأمر في الطاعة والإعانة على العبادة . قوله جل ذكره : [ سورة النور ( 24 ) : آية 34 ] وَلَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ آياتٍ مُبَيِّناتٍ وَمَثَلاً مِنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ ( 34 )

--> ( 1 ) إشارة إلى قوله تعالى في أسهم الزكاة : ( وفي الرقاب ) وعند الشافعي - رحمه اللّه - حطوا من بدل الكتابة ربعا . ( 2 ) للنسفى كلام لطيف يصلح لتوضيح مقصد القشيري حيث يقول : العابد كالعبد فهو يشترى نفسه من ربه بنجوم مرتبة ليسعى في فكاك رقبته خوفا من البقاء في ربقة العبودية وطمعا في فتح باب الحرية ليسرح في رياض الجنة ، فعليه في اليوم والليلة خمس ، وفي المائتي درهم خمسة ، وفي السنة شهر ، وفي العمر زورة ؛ إشارة إلى الصلاة والزكاة والصوم والحج على الترتيب .