ابو القاسم عبد الكريم القشيري

601

لطائف الإشارات

ردّهم في جميع أحوالهم إلى مشاهدة ما منّ الحقّ في قسمي النفع والدفع ، وحالتي العسر واليسر ، والزّكى « 1 » من اللّه ، والنّعمى من اللّه ، والآلاء من اللّه ، قال تعالى : « وَما بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ » . قوله جل ذكره : [ سورة النور ( 24 ) : آية 22 ] وَلا يَأْتَلِ أُولُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبى وَالْمَساكِينَ وَالْمُهاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَ لا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ( 22 ) تحرّك في أبى بكر عرق من البشرية في وصف الانتقام من مسطح « 2 » حين شرع وخاض في ذلك الحديث ، وكان في رفق أبى بكر فقطع عنه ذلك ، وأخبر به الرسول - صلى اللّه عليه وسلم - وانتظر الأمر من اللّه في ذلك ، فأنزل اللّه تعالى : « وَلا يَأْتَلِ أُولُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ . . » فلم يرض من الصديق رضى اللّه عنه أن يتحرك فيه عرق من الأحكام النفسية والمطالبات البشرية ، فأعاد أبو بكر له ما كان يفعله في ماضي أيامه . والإحسان إلى المحسن مكافأة ، وإلى من لا يسئ ولا يحسن فضل ، وإلى الجاني فتوّة وكرم « 3 » ، وفي معناه أنشدوا : وما رضوا بالعفو عن كلّ زلة * حتى أنالوا كفّه وأفادوا قوله : « وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا » : العفو والصفح بمعنى ، فكررهما تأكيدا . ويقال العفو في الأفعال ، والصفح في جنايات القلوب « 4 » .

--> ( 1 ) الزكي والزكاء - النماء والزيادة ، وزكى الشيء - أصلحه وظهره . ( 2 ) مسطح ابن خالة أبى بكر ، وكان مسكينا ، بدريا مهاجرا ، كان ينفق عليه أبو بكر ، فلما قرأ الرسول عليه الآية قال : بلى : أحب أن يغفر اللّه لي ، ورد إلى مسطح نفقته رغم ما خاض في عائشة رضى اللّه عنها . ( 3 ) يمكن أن يضاف هذا الشاهد إلى الباب الذي عقده القشيري « للفتوة » في رسالته . ( 4 ) نعرف عن القشيري أنه لا يتحمس كثيرا للقول بأن بالقرآن تكرارا ، لأجل ذلك نراه يسرع إلى التمييز بين العفو والصفح عقيب ذكره أنهما بمعنى .