ابو القاسم عبد الكريم القشيري
597
لطائف الإشارات
قال : عائشة . فساكنها . وفي بعض الأخبار أن عائشة قالت : « يا رسول اللّه إني أحبك وأحب قربك » . . فأجرى اللّه حديث الافك حتى ردّ قلب رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - عنها إلى اللّه ، وردّ قلب عائشة عنه إلى اللّه ؛ حيث قال - لما ظهرت براءة ساحتها : بحمد اللّه لا بحمدك كشف اللّه عنها به تلك المحقة ، وأزال الشكّ ، وأظهر صدقها وبراءة ساحتها . ويقال إن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال : « اتقوا فراسة المؤمن فإنّ المؤمن ينظر بنور اللّه » « 1 » ، فإذا كانت الفراسة صفة المؤمن فأولى الناس بالفراسة كان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، ثم لم تظهر له بحكم الفراسة براءة ساحتها ، حتى كان يقول : « إن فعلت فتوبي » . والسبب فيه أنه في أوقات البلاء يسدّ اللّه على أوليائه عيون الفراسة إكمالا للبلاء . وكذلك إبراهيم - عليه السلام - لم يميّز ولم يعرف الملائكة حيث قدّم إليهم العجل الحنيذ ، وتوهمهم أضيافا . ولوط عليه السلام لم يعرف أنهم ملائكة إلى أن أخبروه أنهم ملائكة . ويقال إنه كان - صلى اللّه عليه وسلم - يقول لعائشة : « يا حميراء » . فلما كان زمان الإفك ، وأرسلها إلى بيت أبويها ، واستوحش الأبوان معها ، ومرضت عائشة - رضى اللّه عنها - من الحزن والوجد ، كان رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - إذا رأى واحدا من دار أبى بكر يقول : كيف بيتكم ؟ لا عائشة ولا حميراء ! فما كان يطيب بالتغافل عنها ، فتعبيره - إن لم يفهم بالتصريح - فيفقه بالتلويح . ثم إنه - سبحانه - قال : « لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ ، لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ » : فبمقدار جرمهم احتمل كلّ واحد ما يخصّه من الوزر . قوله جل ذكره : [ سورة النور ( 24 ) : آية 12 ] لَوْ لا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِناتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْراً وَقالُوا هذا إِفْكٌ مُبِينٌ ( 12 )
--> ( 1 ) الترمذي والطبراني ، الترمذي من حديث أبي سعد ، والطبراني وأبو نعيم بسند حسن عن أنس .