ابو القاسم عبد الكريم القشيري

589

لطائف الإشارات

إذا أخذ البلاء بخناقهم ، واستمكن الضّرّ من أحوالهم ، وعلموا ألّا محيص ولا محيد أخذوا في التضرّع والاستكانة ، ودون ما يرومون خرط القتاد ! ويقال لهم هلّا كان عشر عشر هذا قبل هذا ؟ ولقد قيل : قلت للنفس : إن أردت رجوعا * فارجعي قبل أن يسدّ الطريق قوله جل ذكره : [ سورة المؤمنون ( 23 ) : آية 101 ] فَإِذا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلا أَنْسابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَساءَلُونَ ( 101 ) يومئذ لا تنفع الأنساب وتنقطع الأسباب ، ولا ينفع النّدم ، وسيلقى كلّ غبّ ما اجترم ؛ فمن ثقلت بالخيرات موازينه لاح عليه تزيينه . ومن ظهر ما يشينه فله من البلاء فنونه ؛ تلفح وجوههم النار ، وتلمح من شواهدهم الآثار ، ويتوجه عليهم الحجاج ، فلا جواب لهم يسمع ، ولا عذر منهم يقبل ، ولا عذاب عنهم يرفع ، ولا عقاب عنهم يقطع . قوله جل ذكره : [ سورة المؤمنون ( 23 ) : آية 106 ] قالُوا رَبَّنا غَلَبَتْ عَلَيْنا شِقْوَتُنا وَكُنَّا قَوْماً ضالِّينَ ( 106 ) نطقوا بالحقّ . . . ولكن في يوم لا ينفع فيه الإقرار ، ولا يقبل الاعتذار ، ثم يقولون : [ سورة المؤمنون ( 23 ) : آية 107 ] رَبَّنا أَخْرِجْنا مِنْها فَإِنْ عُدْنا فَإِنَّا ظالِمُونَ ( 107 ) والحقّ يقول : لو ردّوا لعادوا لما نهوا عنه . علم أنّ ردّهم إلى الدنيا لا يكون ، ولكنه علم أنّه لو كان فكيف كان يكون . قوله جل ذكره : [ سورة المؤمنون ( 23 ) : آية 108 ] قالَ اخْسَؤُا فِيها وَلا تُكَلِّمُونِ ( 108 ) عند ذلك يتمّ عليهم البلاء ، ويشتدّ عليهم العناء ، لأنهم ما داموا يذكرون اللّه لم يحصل الفراق بالكلية ، فإذا حيل بينهم وبين ذكره تتم لهم المحنة ، وهو أحد ما قيل في قوله . « لا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ » « 1 » .

--> ( 1 ) آية 103 سورة الأنبياء .