ابو القاسم عبد الكريم القشيري
575
لطائف الإشارات
كرّر قصة نوح لما فيها من عظيم الآيات من طول مقامه في قومه ، وشدة مقاساة البلاء منهم ، وتمام صبره على ما استقبله في طول عمره ، ثم إهلاك اللّه جميع من أصرّ على كفرانه ، ثم إهلاك اللّه جميع من أصرّ على كفرانه ، ثم لم يغادر منهم أحدا ، ولم يبال - سبحانه - بأن أهلك جملتهم . ولقد ذكر في القصص أن امرأة من قومه لما أخذهم الطوفان كان لها مولود ، فحملته وقامت حاملة له ترفعه عن الطوفان ، فلمّا بلغ الماء إلى يدها رفعته إلى ما فوق رأسها - قدر ما أمكنها - إبقاء على ولدها ، وإشفاقا عليه من الهلاك ، إلى أن غلبها الماء وتلفت وولدها . فأوحى اللّه إلى نوح - عليه السلام - لو أنى كنت أرحم واحدا منهم لرحمت تلك المرأة وولدها . وفي الخبر أن نوحا كان اسمه يشكر ؛ ولكثرة ما كان يبكى أوحى اللّه إليه : يا نوح . . إلى كم تنوح ؟ فسمّاه نوحا . ويقال إنّ ذنبه أنه مرّ يوما بكلب فقال : ما أوحشه ! فأوحى اللّه إليه : اخلق أنت أحسن من هذا ! فكان يبكى معتذرا عن قالته تلك . وكان قومه يلاحظونه بعين الجنون ، وما زاد لهم دعوة إلا ازدادوا عن إجابته نبوة ، وما زاد لهم صفوة إلا ازدادوا على طول المدة قسوة على قسوة . ولما عمل السفينة ظهر الطوفان ، وأدخل في السفينة أهله ، تعرّض له إبليس - كما جاء في القصة - وقال : احملنى معك في السفينة ، فأبى نوح وقال : يا شقّى . . تطمع في حملى إياك وأنت رأس الكفرة ؟ ! فقال إبليس : أما علمت - يا نوح - أنّ اللّه أنظرني إلى يوم القيامة ، وليس ينجو اليوم أحد إلّا في هذه السفينة ؟ فأوحى اللّه إلى نوح أن احمله فكان إبليس مع نوح في السفينة ، ولم يكن لابنه معه مكان في السفينة . ( وفي هذا ظهور عين التوحيد وأن الحكم من اللّه غير معلول ) « 1 » لأنه إن كان المعنى في أن ابنه لم يكن معه له مكان لكفره فبإبليس يشكل . . ولكنها أحكام غير معلولة ، وجاز له - سبحانه - أن يفعل ما يريد : يصل « 2 » من شاء ويردّ من شاء
--> ( 1 ) ما بين القوسين موجود في م وغير موجود في ص . ( 2 ) وردت في م ( يضل ) بالضاد ونحن نجد ( يصل ) أكثر انسجاما مع المعنى لتقابل ( يرد )