ابو القاسم عبد الكريم القشيري

553

لطائف الإشارات

أراده ، ثم يأخذه من حيث لا يرتقب ، فيعلوه ندم ، ولات حينه ، وكيف يستبقى بالحيلة ما حق في التقدير عدمه ؟ قوله جل ذكره : [ سورة الحج ( 22 ) : آية 49 ] قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّما أَنَا لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ ( 49 ) : أشابهكم في الصورة ولكني أباينكم من حيث السريرة ، وأنا لمحسنكم بشير ، ولمسيئكم نذير ، وقد أيّدت بإقامة البراهين ما جئتكم به من وجوه الأمر بالطاعة والإحسان . قوله جل ذكره : [ سورة الحج ( 22 ) : آية 50 ] فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ ( 50 ) الناس - في المغفرة - على أقسام : فمنهم من يستر « 1 » عليه زلّته ، ومنهم من يستر عليه أعماله الصالحة صيانة له عن الملاحظة ، ومنهم من يستر حاله لئلا تصيبه من الشهرة فتنة « 2 » ، وفي معناه قالوا : لا تنكرن جحدى هواك فإنما * ذاك الجحود عليك ستر مسبل ومنهم من يستره بين أوليائه ، لذلك ورد في الكتب : « أوليائي في قبائى ، لا يشهد أوليائي غيرى » . « والرزق الكريم » ما يكون من وجه الحلال . ويقال ما يكون من حيث لا يحتسب العبد . ويقال هو الذي يبدو - من غير ارتقاب - على رفق في وقت الحاجة إليه . ويقال هو ما يحمل المرزوق على صرفه في وجه القربة . ويقال ما فيه البركة . ويقال الرزق الكريم الذي ينال من غير تعب « 3 » ، ولا يتقلد منّه مخلوق .

--> ( 1 ) لأن غفر معناها في اللغة ستر . ( 2 ) وهذه إحدى الأفكار التي نشط أصحاب الملامة في العمل بها ، وحثّ أتباعهم عليها . ( 3 ) ( الذي ينال من غير تعب ) هنا معناها من غير استعجال ، ومن غير بعد عن التفويض والتوكل ، ومن غير اعتماد على مخلوق . ونحو ذلك مما قد يهدم صرح الاستسلام الكامل للرازق الوهاب سبحانه .