ابو القاسم عبد الكريم القشيري

539

لطائف الإشارات

ويتطلع بما هو حقائق البيان التي هي كالعيان كما في الخبر : « كأنك تراه » . « 1 » « وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ » : هي أركان الأحوال المتوالية من الرغبة والرهبة ، والرجاء والمخافة والقبض والبسط ، وفي معناه أنشدوا : لست من جملة المحبين إن لم * أجعل القلب بيته والمقاما وطوافى إجالة السّرّ فيه * وهو ركنى إذا أردت استلاما قوله : « لا تُشْرِكْ بِي شَيْئاً » : لا تلاحظ البيت ولا بناءك « 2 » للبيت . ويقال هو شهود البيت دون الاستغراق في شهود ربّ البيت . قوله جل ذكره : [ سورة الحج ( 22 ) : آية 27 ] وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجالاً وَعَلى كُلِّ ضامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ ( 27 ) أذّن إبراهيم - عليه السلام - بالحج ونادى ، وأسمع اللّه نداءه جميع الذرية في أصلاب آبائهم ، فاستجاب من المعلوم من حاله أنه يحج . وقدّم الرّجالة على الركبان لأنّ الحمل على المركوب أكثر « 3 » . ولتلك الجمال على الجمال خصوصية لأنها مركب الأحباب ، وفي قريب من معناه أنشدوا : وإنّ جمالا قد علاها جمالكم * - وإن قطّعت أكبادنا - لحبائب ويقال « يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ » هذا على وجه المدح وسبيل الشكر منهم . وكم قدر مسافة الدنيا بجملتها ! ؟ ولكن لأجل قدر أفعالهم وتعظيم صنيعهم يقول ذلك إظهارا لفضله وكرمه .

--> ( 1 ) إشارة إلى الحديث ( أعبد اللّه كأنك تراه وعد نفسك من الموتى ) . الطبراني عن أبي الدرداء ، وحسن السيوطي سنده ، ورواه البيهقي عن معاذ . وفي الحلية ( أعبد اللّه كأنك تراه فإن لم تكن تراه فهو يراك . . . ) . ( 2 ) هكذا في م أما في ص فقد وردت ( ولا تبال ) ونحن نرجح ما جاء في م . ( 3 ) فتقديم الرجالة فيه تخصيص نظرا لما يبذلونه من جهد أكبر .