ابو القاسم عبد الكريم القشيري

53

لطائف الإشارات

وهم أصحاب الأعذار - في قول أهل التفسير - طلبوا الإذن في التأخر عن رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - في غزوة تبوك فسقط عنهم الّلوم . أما الذين تأخروا بغير عذر فقد توجّه عليهم اللوم ، وهو لهم في المستقبل الوعيد . قوله جل ذكره : [ سورة التوبة ( 9 ) : آية 91 ] لَيْسَ عَلَى الضُّعَفاءِ وَلا عَلَى الْمَرْضى وَلا عَلَى الَّذِينَ لا يَجِدُونَ ما يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ ما عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ( 91 ) قيمة الفقر تظهر عند سقوط الأمر ، ولو لم يكن في القلة خير إلا هذا لكفى لهذا بهذا فضيلة ؛ بقوا في أوطانهم ولم يتوجّه عليهم بالجهاد أمر ، ولا بمفارقة المنزل امتحان . واكتفى منهم بنصيحة القلب ، واعتقاد أن لو قدروا لخرجوا . وأصحاب الأموال امتحنوا - اليوم - يجمعها ثم بحفظها ، ثم ملكتهم محنتها حتى شقّت عليهم الغيبة عنها ، ثم توجّه اللوم عليهم في ترك إنفاقها ، ثم ما يعقبه - غدا - من الحساب والعذاب يربو على الجميع . وإنّما رفع الحرج عن أولئك « 1 » بشرط وهو قوله : « إِذا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ » فإذا لم يوجد هذا الشرط فالحرج غير مرتفع عنهم . قوله : « ما عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ » : المحسن الذي لا تكون للشرع منه مطالبة لا في حقّ اللّه ولا في حقّ الخلق « 2 » .

--> ( 1 ) في النسخة ( هؤلاء ) وقد آثرنا أن نضع ( أولئك ) لينصرف الكلام إلى الطائفة الأولى أي الضعفاء والمرضى وأصحاب العذر . ( 2 ) لأنه قد استوفى جميع المطالبات ولم يتبق عليه شئ .