ابو القاسم عبد الكريم القشيري
506
لطائف الإشارات
قوله جل ذكره : [ سورة الأنبياء ( 21 ) : آية 49 ] الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَهُمْ مِنَ السَّاعَةِ مُشْفِقُونَ ( 49 ) صار لهم في استحقاق هذه البصائر والخشية بالغيب إطراق السريرة ، وفي أوان الحضور استشعار الوجل من جريان سوء الأدب ، والحذر من أن يبدو من الغيب من خفايا التقدير ما يوجب حجبة العبد . والإشفاق من الساعة على ضربين : خوف قيام الساعة الموعودة للعامة ، وخوف قيام الساعة التي هي قيامة هؤلاء القوم « 1 » ؛ فإنّ ما يستأهل الكافة في الحشر معجّل لهم في الوقت من تقريب ومن تبعيد ، ومن محو ومن إثبات . قوله جل ذكره : [ سورة الأنبياء ( 21 ) : آية 50 ] وَهذا ذِكْرٌ مُبارَكٌ أَنْزَلْناهُ أَ فَأَنْتُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ ( 50 ) وصف القرآن بأنه « مُبارَكٌ » ، وهو إخبار عن دوامه « 2 » ، من قولهم : برك الطائر على الماء أي دام . وإنّ هذا الكتاب لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ؛ وما لا ابتداء له - وهو كلامه القديم - فلا انتهاء للكتاب الدالّ عليه . قوله جل ذكره : [ سورة الأنبياء ( 21 ) : آية 51 ] وَلَقَدْ آتَيْنا إِبْراهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عالِمِينَ ( 51 ) أراد به ما تعرّف إليه من الهداية حتى لم يقل بما يجوز عليه الزوال والأفول « 3 » ، لولا أنّه خصّه في الابتداء بالتعريف . . وإلّا متى اهتدى إلى التمييز بينه وبين خلقه لولا ما أضاء . « 4 » عليه من أنوار التوحيد قبلما حصل منه من النظر في المخلوق ؟ ويقال هو ما كاشف به روحه قبل إبداعها من تجلّى الحقيقة .
--> ( 1 ) اى أرباب الأحوال ( 2 ) وردت ( بيانه ) وآثرنا - طبقا للسياق - أن نجمعها ( دوامه ) ( 3 ) إشارة إلى أن إبراهيم لما رأى أفول الشمس والقمر والنجم قال : « إني لا أُحِبُّ الْآفِلِينَ » . ( 4 ) ( أضاء ) مقبولة في السياق ولكننا لا نستبعد أنها ربما كانت في الأصل ( أفاء ) أي ( أنعم ) .