ابو القاسم عبد الكريم القشيري
500
لطائف الإشارات
وقد علم أنهم لا يقولون ذلك ، ولكن علم لو كان ذلك كيف كان يكون حكمه ، فالحق - سبحانه - يعلم ما لا يكون كيف كان يكون . قوله جل ذكره : [ سورة الأنبياء ( 21 ) : آية 30 ] أَ وَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ كانَتا رَتْقاً فَفَتَقْناهُما وَجَعَلْنا مِنَ الْماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَ فَلا يُؤْمِنُونَ ( 30 ) داخلتهم الشبهة في إعادة الخلق والقيامة والنّشر ، فأقام اللّه الحجة عليهم بأن قال : أليسوا قد علموا أنه خلق السماوات والأرض ؛ سمك السماء وبسط الأرض . فإذا قدر على ذلك فكيف لا يقدر على الإعادة بعد الإبادة ؟ قوله جل ذكره : وَجَعَلْنا مِنَ الْماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَ فَلا يُؤْمِنُونَ كلّ شئ مخلوق حىّ فمن الماء خلقه ، فإنّ أصل الحيوان الذي حصل بالتناسل النطفة ، وهي من جملة الماء . وحياة النفوس بماء السماء من حيث الغذاء ، وحياة القلوب بماء الرحمة ، وحياة الأسرار بماء التعظيم . وأقوام حياتهم بماء الحياء . . وعزيز هم . قوله جل ذكره : [ سورة الأنبياء ( 21 ) : آية 31 ] وَجَعَلْنا فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ وَجَعَلْنا فِيها فِجاجاً سُبُلاً لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ ( 31 ) الأولياء هم الرواسي في الأرض وبهم « 1 » يرزقون ، وبهم يدفع عنهم البلاء ، وبهم يوفى عليهم العطاء . وكما أنه لولا الجبال الرواسي لم تكن للأرض أوتاد . . فكذلك الشيوخ الذين هم أوتاد الأرض ( فلولاهم ) لنزلت بهم الشدة . وَجَعَلْنا فِيها فِجاجاً سُبُلًا لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ كما أن في الأرض سبلا يسلكونها ليصلوا إلى مقاصدهم كذلك جعل السبل إليه
--> ( 1 ) الضمير في ( بهم ) يعود على الخلق ، ولم يكن القشيري بحاجة إلى ذكر ( الخلق ) هنا لكثرة ما أعاد في هذا الموضوع من قبل .