ابو القاسم عبد الكريم القشيري

489

لطائف الإشارات

وللاصطبار مزية على الصبر ؛ وهو ألّا يجد صاحبه الألم بل يكون محمولا مروّحا . قوله جل ذكره : لا نَسْئَلُكَ رِزْقاً أي لا نكلفك برزق أحد ؛ فإنّ الرازق اللّه - سبحانه - دون تأثير الخلق ، فنحن نرزقك ونرزق الجميع . قوله جل ذكره : نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعاقِبَةُ لِلتَّقْوى هما شيئان : وجود الأرزاق وشهود الرزاق ؛ فوجود الأرزاق يوجب قوة « 1 » النفوس ، وشهود الرزاق يوجب قوة « 2 » القلوب . ويقال استقلال « 3 » العامة بوجود الأرزاق ، واستقلال الخواص بشهود الرزّاق . ويقال نفى عن وقته الفرق بين أوصاف الرزق حين قال : « نَحْنُ نَرْزُقُكَ » ؛ فإنّ من شهد وتحقق بقوله : « نَحْنُ » سقط عنه التمييز بين رزق ورزق . ويقال خفّف على الفقراء مقاساة قلّة الرزق وتأخّره عن وقت إلى وقت بقوله : « نَحْنُ » « 4 » قوله : « وَالْعاقِبَةُ لِلتَّقْوى » : أي العاقبة بالحسنى لأهل التقوى . ويقال المراد بالتقوى المتّقى ، فقد يسمّى الموصوف بما هو المصدر « 5 » قوله جل ذكره : [ سورة طه ( 20 ) : آية 133 ] وَقالُوا لَوْ لا يَأْتِينا بِآيَةٍ مِنْ رَبِّهِ أَ وَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ ما فِي الصُّحُفِ الْأُولى ( 133 ) عميت بصائرهم وادّعوا أنه لا برهان معه ، ولم يكن القصور في الأدلة بل كان الخلل في بصائرهم ، ولو جمع اللّه لهم كلّ آية اقترحت على رسول ثم لم يرد اللّه أن يؤمنوا لما

--> ( 1 ، 2 ) ربما كانا ( قوت النفوس ، وقوت القلوب ) بالتاء المفتوحة ؛ فقد سبقا هكذا منذ قليل ، وإن كان السياق لا يمنع ( قوة النفوس وقوة القلوب ) . ( 3 ) ( استقلال ) هنا بمعنى اكتفاء . ( 4 ) لأن من عاش ؛ ( نحن ) اكتفى بها ولم يستعجل شيئا . ( 5 ) كما يقال مثلا ( رجل عدل ) ونحو ذلك .