ابو القاسم عبد الكريم القشيري
482
لطائف الإشارات
أولاد آدم ، وكيف أن الشيطان يوسوس لهم . . . ثم يقولون إن الحقّ سبحانه أراد خلاف ما علم ، وأجرى في سلطانه ما يكرهه وهو عالم ، وكان عالما بما سيكون ! ثم خلق إبليس ومكّنه من هذه المعاصي مع إرادته ألا يكون ذلك ! ويدّعون حسن ذلك في الفعل اعتبارا انما هو الحكمة . . . فسبحان من أعمى بصائرهم ، وعمّى حقيقة التوحيد عليهم ! قوله جل ذكره : [ سورة طه ( 20 ) : آية 117 ] فَقُلْنا يا آدَمُ إِنَّ هذا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ فَلا يُخْرِجَنَّكُما مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقى ( 117 ) وما كان ينفعهم النّصح وقد أراد بهم ما حذّرهم ، وعلم أنهم سيلقون ما خوّفهم به . قوله : « فَلا يُخْرِجَنَّكُما مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقى » : علم أنهم سيلقون ذلك الشقاء : وأمّا إنّه أضاف الشقاء إلى آدم وحده - وكلاهما لحقه شقاء الدنيا - فذلك لمضارعة رؤوس الآي ، أو لأن التعب على الرجال دون النساء . ومن أصغى إلى قول عدوّه فإنه يتجرّع النّدم ثم لا ينفعه . قوله جل ذكره : [ سورة طه ( 20 ) : الآيات 118 إلى 119 ] إِنَّ لَكَ أَلاَّ تَجُوعَ فِيها وَلا تَعْرى ( 118 ) وَأَنَّكَ لا تَظْمَؤُا فِيها وَلا تَضْحى ( 119 ) لا تصديق أتمّ من تصديق آدم ، ولا وعظ أشدّ رحمة من اللّه ، ولا يقين أقوى من يقينه . . ولكن ما قاسى آدم الشقاء قبل ذلك ، فلمّا استقبله الأمر وذاق ما خوّف به من العناء والكدّ ندم وأطال البكاء ، ولكن بعد إبرام التقدير . « وَأَنَّكَ لا تَظْمَؤُا فِيها وَلا تَضْحى » أوثر بكل وجه ؛ فلم يعرف قدر العافية والسلامة ، إلى أن جرى ما هو محكوم به من سابق القسمة . ويقال تنعّم آدم في الجنة ولم يعرف قدر ذلك إلى حين استولى في الدنيا عليه الجوع والعطش ، والبلاء من كل ( . . . ) « 1 »
--> ( 1 ) هنا طمس أخفى لفظة في نهاية السطر وهي أقرب إلى أن تكون ( فن ) ونحن نتقبلها ، فالقشيرى يستعملها في مواضع مماثلة ( أنظر مثلا استعماله ( فنون الخذلان ) عند تفسير الآية التي ستأتي بعد قليل : ومن اعرض عن ذكرى . . . ) ، و ( فن ) تكون بمعنى ( نوع ) كما سيأتي في العبارة التالية .