ابو القاسم عبد الكريم القشيري
479
لطائف الإشارات
ذلّت له الرقاب واستسلم لحكمه الخلق ، وخضعت له الجبابرة ، ومن اقترف الظلم بقي في ظلماته ، وعلى حسب ذلك في الزيادة والنقصان . قوله جل ذكره : [ سورة طه ( 20 ) : آية 112 ] وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلا يَخافُ ظُلْماً وَلا هَضْماً ( 112 ) العمل الصالح ما يصلح للقبول ، فاعله هو المتجرّد عن الآفات الواقفة لحقيقة الأمر . ويقال العمل الصالح ما لم يستعجل عليه صاحبه أجرا . قوله : « وَهُوَ مُؤْمِنٌ » : أي في المآل كما هو مؤمن في الحال . ويقال هو مؤمن مصدّق لربّه أنه لا يعطى المؤمن لأجل إيمانه شيئا ، ولكن بفضله ، وإيمانه أمارة لذلك لا موجب له « 1 » . قوله جل ذكره : [ سورة طه ( 20 ) : آية 113 ] وَكَذلِكَ أَنْزَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا وَصَرَّفْنا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْراً ( 113 ) أتبعنا دليلا بعد دليل ، وبعثنا رسولا بعد رسول ، وحذّرناهم بوجوه من التعريفات ، وإظهار كثير من الآيات قوله جل ذكره : [ سورة طه ( 20 ) : آية 114 ] فَتَعالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً ( 114 ) تعالى اللّه في كبريائه ؛ وكبرياؤه : سناؤه وعلاه ومجده ، ورفعته وعظمته ، كل ذلك بمعنى واحد ، وهو استحقاقه لأوصاف الجلال والتعظيم . و « الْمَلِكُ » : مبالغة من المالك ، وحقيقة الملك القدرة على الإيجاد ، والانفراد بذلك . و « الْحَقُّ » : في وصفه - سبحانه - بمعنى الموجود ، ومنه قوله عليه السلام : « العين حق » « 2 » أي موجود .
--> ( 1 ) على خلاف قول المعتزلة الذين يوجبون على اللّه أن يثبت من أطاع ويعاقب من أذنب . ( 2 ) يقول القشيري في تحبيره ص 68 « الحق من أسمائه سبحانه بمعنى الموجود الكائن ، وكذا معناه في اللغة ، ومنه قوله عليه السلام : « السحر حق » أي كائن موجود ، وكذا يقال الجنة حق ، والنار حق .