ابو القاسم عبد الكريم القشيري
477
لطائف الإشارات
وللآخرين قيامة معجّلة « 1 » ؛ فيها محاسبة وعليهم فيها مطالبة ، وهو ان حاضر وعذاب حاصل ، فكما ترد على ظواهر قوم في الآخرة عقوبات ، ترد على سرائر آخرين عقوبات في الحياة الحاضرة ، والمعاملة مع كلّ أحد تخالف المعاملة مع صاحبه . قوله « يتخافتون بينهم . . . » من تفرّغ لعدّ الأوقات والتمييز بين اختلاف الحالات فنوع غير مستوف في بلائه ، وأمره سهل . . . ومن كان يراد المعنى من حديثه لا يتفرغ إلى نعت الحال ؛ فالأحوال تخبر عنه وهو لا يسأل عن الخبر . قوله جل ذكره : [ سورة طه ( 20 ) : الآيات 105 إلى 107 ] وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْجِبالِ فَقُلْ يَنْسِفُها رَبِّي نَسْفاً ( 105 ) فَيَذَرُها قاعاً صَفْصَفاً ( 106 ) لا تَرى فِيها عِوَجاً وَلا أَمْتاً ( 107 ) كما أنّ في القيامة الموعودة تغيّر الجبال عن أحوالها فهي كالعهن المنفوش فكذلك في القيامة الموجودة . . . فلا يخبرك عنها إلا الأكابر الذين هم كالرواسى ثباتا ؛ فإنه يدخل عليهم من الأحوال ما يمحقهم عن شواهدهم ، ويأخذهم عن أقرانهم . . . كذا سنّته سبحانه . قوله جل ذكره : [ سورة طه ( 20 ) : آية 108 ] يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ لا عِوَجَ لَهُ وَخَشَعَتِ الْأَصْواتُ لِلرَّحْمنِ فَلا تَسْمَعُ إِلاَّ هَمْساً ( 108 ) تنقطع الأوهام ، وتقف الأفهام ، وتنخنس العقول ، وتندرس العلوم ، وتتحير المعارف ، ويتلاشى ما هو نعت الخلق ، ويستولى سلطان الحقيقة . . فعند ذلك لا عين ولا أثر ، ولا رسم ولا طلل ولا غبر ، في الحضور خرس ، وعلى البساط فناء ، وللرسوم امتحاء ، وإنما الصحة على الثبات . قوله جل ذكره : [ سورة طه ( 20 ) : آية 109 ] « 2 » يَوْمَئِذٍ لا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلاً ( 109 )
--> ( 1 ) أي القيامة التي تحل بأرباب القلوب في هذه الحياة الدنيا . ( 2 ) لأنه يكون فانيا عن نفسه ، والقائم عنه ربّه .