ابو القاسم عبد الكريم القشيري

468

لطائف الإشارات

يذكّرهم آلاءه ، ويعدّ عليهم نعماءه ، ويأمرهم بالتزام الطاعة والقيام بالشكر لما أسبغ عليهم من فنون النّعم ، ثم يذكرهم ما منّ به على أسلافهم من إنزال المنّ والسلوى ، وضروب المحن وفنون البلوى . قوله جل ذكره : [ سورة طه ( 20 ) : آية 81 ] كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ وَلا تَطْغَوْا فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي وَمَنْ يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوى ( 81 ) الطيب ما كان حلالا . ويقال الطيب من الرزق ما لا يعصى اللّه مكتسبه . ويقال الطيب من الرزق ما يكون على مشاهدة الرزاق . ويقال الطيب من الرزق ما حصل منه الشكر . ويقال الطيب من الرزق ما يأخذه العبد من اللّه ؛ فما لأهل الجنة مؤجّل في عقباهم جهرا ، معجّل لأصفيائه في دنياهم سرّا ، قال تعالى : « آخِذِينَ ما آتاهُمْ رَبُّهُمْ « 1 » » . والأرزاق مختلفة ؛ فلأقوام حظوظ النفوس ولآخرين حقوق القلوب ، ولأقوام شهود الأسرار ؛ فرزق النفوس التوفيق ، ورزق القلوب التصديق ، ورزق الأرواح التحقيق « 2 » . قوله : « وَلا تَطْغَوْا فِيهِ » : بمجاوزة الحلال إلى الحرام . ويقال « لا تَطْغَوْا فِيهِ » : بالزيادة على الكفاف « 3 » ، وما لا بدّ منه مما زاد على سدّ الرمق . ويقال « لا تَطْغَوْا فِيهِ » : بالأكل على الغفلة والنسيان . قوله جل ذكره : فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي وَمَنْ يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوى . فيحل عليكم غضبى بالخذلان لمتابعة الزّلّة بعد الزّلّة . ويقال فيحل عليكم غضبى لفقدكم التأسّف على ما فاتكم . ويقال بالرضا بما أنتم فيه من نقصان الحال .

--> ( 1 ) آية 16 سورة الذاريات . ( 2 ) نضع ذلك في اعتبارنا عند بحث الملكات الباطنية ، ووظائفها وآفاتها . . . وأرزاقها . ( 3 ) الكفاف من الرزق ما كان على مقدار الحاجة من غير زيادة ولا نقصان .