ابو القاسم عبد الكريم القشيري
457
لطائف الإشارات
أجرى اللّه عليه ما هو في صورة كبيرة من قتل النّفس بغير حق ، ثم بيّن اللّه أنه لا يضره ذلك ، فليست العبرة بفعل العبد في قلّته وكثرته إنما العبرة بعناية الحقّ ، بشأن أحد أو عداوته . ويقال قد لا يموت كثير من الخلق بفنون من العذاب ، وكم من أناس لا يموتون وقد ضربوا ألوفا من السياط ! وصاحب موسى عليه السلام ومقتوله مات بوكزة ! إيش « 1 » الذي أوجب وفاته لولا أنه أراد به فتنة لموسى ؟ وفي بعض الكتب أنه - سبحانه - أقام موسى كذا وكذا مقاما ، وأسمعه كلامه كل مرة بإسماع آخر ، وفي كل مرة كان يقول له : « وَقَتَلْتَ نَفْساً » . « فَنَجَّيْناكَ مِنَ الْغَمِّ » : أريناك عين الجمع حتى زال عنك ما داخلك من الغمّ بصفة مقتضى التفرقة ، فلمّا أريناك سرّ جريان التقدير نجيّناك من الغم . قوله جل ذكره : وَفَتَنَّاكَ فُتُوناً . استخلصناك لنا حتى لا تكون لغيرنا . ويقال جنّسنا عليك البلاء ونوّعناه حتى جرّدناك عن كل اختيار وإرادة ، ثم حينئذ رقّيناك إلى ما استوجبته من العلم الذي أهلناك له . قوله جل ذكره : فَلَبِثْتَ سِنِينَ فِي أَهْلِ مَدْيَنَ . وكنت عند الناس أنك أجير لشعيب ، ولم يظهر لهم ما أودعنا فيك ، وكان يكفى - عندهم - أن تكون ختنا « 2 » لشعيب . ثُمَّ جِئْتَ عَلى قَدَرٍ يا مُوسى . أي عددنا أيام كونك في مدين شعيب ، وكان أهل حضرتنا من الملائكة الذين عرفوا شرفك ومحبّتك منتظرين لك ؛ فجئت على قدر .
--> ( 1 ) أي ( أي شئ ) وهي لفظة ترد في مصنفات القشيري من حين إلى آخر . وجاء في الوسيط ج 1 ص 34 أن العرب تكلمت بها . ( 2 ) أي زوجا لابنته ، وفي الحديث « علىّ ختن رسول اللّه »