ابو القاسم عبد الكريم القشيري
454
لطائف الإشارات
سأل أن يصحب أخاه معه ، ولما ذهب لسماع كلام اللّه حين قال تعالى : « وَواعَدْنا مُوسى ثَلاثِينَ لَيْلَةً » « 1 » كان بمفرده ، لأن الذهاب إلى الخلق يوجب الوحشة ؛ فطلب من أخيه الصحبة ليخفّف عليه كلفة المشقة . ويقال إن المحبة توجب التجرّد والانفراد وألا يكون للغير مع المحبّ مساغ ؛ ففي ذهابه إلى فرعون استصحب أخاه ، ولمّا كان الذهاب إلى الميقات لم يكن للغير سبيل إلى صحبته ، إذ كان المقصود من ذهابه أن يكون مخصوصا بحاله . قوله جل ذكره : [ سورة طه ( 20 ) : الآيات 33 إلى 34 ] كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيراً ( 33 ) وَنَذْكُرَكَ كَثِيراً ( 34 ) بيّن أنّ طلبه مشاركة أخيه له بحقّ ربه لا بحظّ نفسه حيث قال : « كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيراً وَنَذْكُرَكَ كَثِيراً » . قوله جل ذكره : [ سورة طه ( 20 ) : آية 36 ] قالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يا مُوسى ( 36 ) أعطيناك ما سألت ، وتناسيت ابتداء حالك حين حفظناك في اليمّ ونجّينا أمّك من ذلك الغمّ ، وربّيناك في حجر العدوّ . . فأين - حينذاك - كان سؤالك واختيارك ودعاؤك « 2 » ؟ وأثبتنا في قلب امرأة فرعون شفقتك ، وألقينا عليك المحبة حتى أحبك عدوّك ، وربّاك حتى قتل بسببك ما لا يحصى من الولدان ، والذي بدأك بهذه المنن هو الذي آتاك سؤلك ، وحقّق لك مأمولك . قوله جل ذكره : [ سورة طه ( 20 ) : الآيات 38 إلى 39 ] إِذْ أَوْحَيْنا إِلى أُمِّكَ ما يُوحى ( 38 ) أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وَعَدُوٌّ لَهُ وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي ( 39 )
--> ( 1 ) آية 143 سورة الأعراف . ( 2 ) أي أن فضل اللّه دائم ، وسابق للدعاء ، وغير مرتبط بالاختيار الإنسانى ولا بالعمل الإنسانى ، وهذه نظرة في الشمول قلما يفطن إليها غير الصوفية . فأين منهم المعتزلة الذين يوجبون على اللّه ؟ ! ذلك أحد المرامى البعيدة التي يقصد إليها القشيري .