ابو القاسم عبد الكريم القشيري

451

لطائف الإشارات

فإنّك بنعت التوحيد « 1 » ، واقف على بساط التفريد ، ومتى يصحّ ذلك ، ومتى يسلم لك أن يكون لك معتمد تتوكأ عليه ، ومستند عليه تستعين ، وبه تنتفع ؟ ثم قال : « وَلِيَ فِيها مَآرِبُ أُخْرى » : أوّل قدم في الطريق ترك كلّ سبب ، والتّنقّى عن كل طلب ؛ فكيف كان يسلم له أن يقول : أفعل بها ، وأمتنع « 2 » ، ولى فيها مآرب أخرى . ويقال ما ازداد موسى - عليه السلام - تفصيلا في انتفاعه بعصاه إلا كان أقوى وأولى بأن يؤمن بإلقائها ، والتنقى عن الانتفاع بها على موجب التفرّد للّه . ويقال التوحيد التجريد ، وعلامة صحته سقوط الإضافات « 3 » بأسرها ؛ فلا جرم لما ذكر موسى - عليه السلام - ذلك أمر بإلقائها فجعلها اللّه حيّة تسعى ، وولّى موسى هاربا ولم يعقّب . وقيل له يا موسى هذه صفة العلاقة ؛ إذا كوشف صاحبها بسرّها يهرب منها . ويقال لمّا باسطه الحقّ بسماع كلامه أخذته أريحية سماع الخطاب ، فأجاب عما يسأل وعمّا لم يسأل فقال : « وَلِيَ فِيها مَآرِبُ أُخْرى » ، وذكر وجوها من الانتفاع ؛ منها أنه قال تؤنسني « 4 » في حال وحدتي ، وتضئ لي الليل إذا أظلم ، وتحملني إذ عييت في الطريق فأركبها ، وأهشّ بها على غنمي ، وتدفع عنى عدوّى . وأعظم مأرب لي فيها أنّك قلت : « وَما تِلْكَ بِيَمِينِكَ ؟ » وأية نعمة أو مأرب أو منفعة تكون أعظم من أن تقول لي : وما تلك ؟ ويقال قال الحقّ - بعد ما عدّد موسى وجوه الآيات وصنوف انتفاعه بها - ولك يا موسى فيها أشياء أخرى أنت غافل عنها وهي انقلابها حية ، وفي ذلك لك معجزة وبرهان صدق .

--> ( 1 ) إذا صح نقل هذه العبارة عن الأصل فالقشيرى يقصد بها ( فإنك موحد ) ، والموحد أعلى درجات العارفين . ( 2 ) أي تكون لي بها منعة وقوة ، وربما كانت ( وأنتفع ) وكلاهما صحيح في المعنى . ( 3 ) سقوط الإضافات أي لا يقول لي ولا بي ولا منى - وهذه آية صحة التوحيد عندهم ( أنظر الرسالة ص 149 ) . ( 4 ) وردت ( تسعى ) ، وقد وجدنا ( تؤنسني ) أقرب إلى المعنى وإن كانت بعيدة في الرسم ، فآثرناها ونبهنا إلى الأصل . أو ربما سقطت ( معي ) بعد ( تسعى ) ويكون السياق آنذاك منسجما .