ابو القاسم عبد الكريم القشيري

445

لطائف الإشارات

قوله جل ذكره : [ سورة طه ( 20 ) : الآيات 1 إلى 2 ] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ طه ( 1 ) ما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقى ( 2 ) الطاء إشارة إلى قلبه - عليه السلام - من غير اللّه ، والهاء إشارة إلى اهتداء قلبه إلى اللّه . وقيل طأ بسرّك بساط القربة فأنت لا تهتدى إلى غيرنا . ويقال طوينا عن سرّك ذكر غيرنا ، وهديناك إلينا . ويقال طوبى لمن اهتدى بك . ويقال طاب عيش من اهتدى بك . « ما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقى » : أي ليس المقصود من إيجابنا إليك تعبدك ، وإنما هذا استفتاح الوصلة ، والتمهيد لبساط القربة . ويقال إنه لما قال له : « وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى ما مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْهُمْ » « 1 » وقف بفرد قدم تباعدا وتنزها عن أن يقرب من الدنيا استمتاعا بها بوجه فقيل له : طأ الأرض بقدميك . لم كل هذا التعب الذي تتحمله ؟ فزاد في تعبده ، ووقف ، حتى تقدمت قدماه « 2 » وقال : « أفلا أكون عبدا شكورا » أي لما أهلني من التوفيق حتى أعبده . قوله جل ذكره : [ سورة طه ( 20 ) : آية 3 ] إِلاَّ تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشى ( 3 ) فالقرآن تبصرة لذوي العقول ، تذكرة لذوي الوصول ، فهؤلاء به يستبصرون فينالون به راحة النّفس في آجلهم ، وهؤلاء به يذكرون فيجدون روح الأنس في عاجلهم . قوله جل ذكره : [ سورة طه ( 20 ) : آية 4 ] تَنْزِيلاً مِمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّماواتِ الْعُلى ( 4 )

--> ( 1 ) آية 88 سورة الحجر . ( 2 ) نرجح انها ( تورمت قدماه ) لأن السياق يذكرنا بالحديث : [ انه كان يصلى حتى تورمت قدماه فقيل له : يا رسول اللّه » أليس قد غفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر ؟ قال : أفلا أكون عبدا شكورا ] الشيخان ، والنسائي . والترمذي عن المغيرة بن شعبة . ( وسيعود القشيري إلى فكرة « طأ بقدميك الأرض » في آخر السورة عند تفسير آية : « وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ . . . آية 131 ) .