ابو القاسم عبد الكريم القشيري

438

لطائف الإشارات

من تقدّم عليهم في الإضلال والضلال ضوعف عليه غدا العذاب والأغلال . ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بِالَّذِينَ هُمْ أَوْلى بِها صِلِيًّا ينزل في كل دركة من دركاتها من هو أهل لها ، فمن كان عتوّه اليوم أشدّ غلوا كان في النار أبعد من اللّه وأشدّ عقوبة وإذلالا . قوله جل ذكره : [ سورة مريم ( 19 ) : آية 71 ] وَإِنْ مِنْكُمْ إِلاَّ وارِدُها كانَ عَلى رَبِّكَ حَتْماً مَقْضِيًّا ( 71 ) كلّ يرد النار ولكن لا ضير منها ولا احتباس بها لأحد إلا بمقدار ما عليه من ( . . . ) « 1 » والزلل ؛ فأشدّهم انهماكا أشدهم بالنار اشتعالا واحتراقا . وقوم يردونها - كما في الخبر : « إن للنار عند مرورهم عليها إذوابة كإذوابة اللّبن ، فيدخلونها ولا يحسون بها ، فإذا عبروها قالوا : أوليس وعدنا جهنم على طريق ؟ فيقال لهم . عبرتم وما شعرتم « 2 » ! قوله جل ذكره : [ سورة مريم ( 19 ) : آية 72 ] ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيها جِثِيًّا ( 72 ) ينجّى من كان مؤمنا ، بعضهم قبل بعض ، وبعضهم بعد بعض ، ولكن لا يبقى من

--> ( 1 ) مشتبهة وهي في الرسم هكذا ( الالتبات ) وربما كانت في الأصل ( الالتباس ) أي الوقوع في ( اللبس ) والالتباس مناسب ( للزلل ) . ( 2 ) الإذواية : الزبد حين يوضع في البرمة ليذاب ( مقايبس اللغة لابن فارس ج 2 ص 362 ) . وعن جابر أنه عليه السلام سئل عن ذلك فقال : إذا دخل أهل الجنة قال بعضهم لبعض : أليس قد وعدنا ربنا أن نرد النار ؟ فيقال لهم قد ورد نموها وهي خامدة ( القاضي البيضاوي ط الجسّال بجدة ) ص 410 . وعن جابر أيضا ، الورود الدخول لا يبقى بر ولا فاجر إلا دخلها فتكون على المؤمنين يردا وسلاما كما كانت على إبراهيم » [ الجامع لأحكام القرآن للقرطبي ج 11 ص 136 سلسلة التراث ] . وعن الحسن « ليس الورود الدخول ، إنما تقول وردت البصرة ولم أدخلها ؛ فالورود أن يمروا على الصراط « وقد استند كثير إلى رأى الحسن واحتجوا بقوله تعالى « إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنى أُولئِكَ عَنْها مُبْعَدُونَ » فلا يدخل النار من ضمن اللّه أن يبعده عنها .