ابو القاسم عبد الكريم القشيري

434

لطائف الإشارات

« وَكانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا » وكان هذا أشرف خصاله وأجلّ صفاته . قوله جل ذكره : [ سورة مريم ( 19 ) : الآيات 56 إلى 57 ] وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ إِدْرِيسَ إِنَّهُ كانَ صِدِّيقاً نَبِيًّا ( 56 ) وَرَفَعْناهُ مَكاناً عَلِيًّا ( 57 ) الصّدّيق كثير الصدق ، لا يشوب صدقه مذق « 1 » ، ويكون قائما بالحقّ للحق ، ولا يكون فيه نفس لغير اللّه . « وَرَفَعْناهُ مَكاناً عَلِيًّا » : درجة عظيمة في التربية لم يساوه فيها أحد . قوله جل ذكره : [ سورة مريم ( 19 ) : آية 58 ] أُولئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْراهِيمَ وَإِسْرائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنا وَاجْتَبَيْنا إِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُ الرَّحْمنِ خَرُّوا سُجَّداً وَبُكِيًّا ( 58 ) أقامهم بشواهد الجمع ، وأخبر أن منّته كامنة في تخصيصهم بأحوالهم ، وتأهيلهم لما رقّاهم إليه من المآل ، وأنه بفضله اختارهم واجتباهم ومما أنعم به عليهم من الخصائص رقّة قلوبهم ؛ فهم إذا تتلى عليهم الآيات سجدوا ، وسجود ظواهرهم يدل على سجود سرائرهم بما حقّق لهم من شواهد الجمع ، وأمارة صحته ما وفقهم إليه من عين الفرق ؛ فبوصف التفرقة قاموا بحق آداب العبودية ، وبنعت الجمع تحققوا بحقائق الربوبية « 2 » . قوله جل ذكره : [ سورة مريم ( 19 ) : آية 59 ] فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَواتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا ( 59 )

--> ( 1 ) مذق اللبن والشراب بالماء مذقا اى مزجه وخلطه ، ومذق الود اى شابه ولم يخلصه . ( 2 ) هذا من أشد البراهين نصاعة على تمسك القشيري بالشريعة ؛ فإن صدق العبد في التوجه أمارته ان يكون محفوظا - من قبل الحق - كي يؤدى فرائض الشرع .