ابو القاسم عبد الكريم القشيري
411
لطائف الإشارات
كان واجبا في ملتهم على أهل القرية إطعامهما ، ولم يعلم موسى أنه لا جدوى من النكير عليهم ؛ ولو كان أغضى على ذلك منهم لكان أحسن . فلمّا أقام الخضر جدارهم ولم يطلب عليه أجرا لم يقل موسى إنك قمت بمحظور ، ولكنه قال له : « لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً » أي إن لم تأخذ بسببك فلو أخذت بسببنا لكان أخذك خيرا لنا من تركك ذلك ، ولئن وجب حقّهم فلم أخللت بحقنا ؟ ويقال إنّ سفره ذلك كان سفر تأديب فردّ إلى تحمّل المشقة ، وإلّا فهو حين سقى لبنات شعيب فإنّ ما أصابه من التعب وما كان فيه من الجوع كان أكثر « 1 » ، ولكنه كان في ذلك الوقت محمولا وفي هذا الوقت متحمّلا . فلما قال موسى هذا قال له الخضر : [ سورة الكهف ( 18 ) : آية 78 ] قالَ هذا فِراقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ ما لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْراً ( 78 ) أي بعد هذا فلا صحبة بيننا . ويقال قال الخضر إنّك نبيّ . . وإنما أؤاخذك بما قلت ، فأنت شرطت هذا الشرط ؛ وقلت : إن سألتك عن شئ بعدها فلا تصاحبني ؛ وإنما أعاملك بقولك . ويقال لمّا لم يصبر موسى معه في ترك السؤال لم يصبر الخضر أيضا معه في إدامة الصحبة فاختار الفراق . ويقال ما دام موسى عليه السلام سأله لأجل الغير - في أمر السفينة التي كانت للمساكين ، وقتل النّفس بغير حق - لم يفارقه الخضر ، فلمّا صار في الثالثة إلى القول فيما كان فيه حظّ لنفسه من طلب الطعام ابتلى بالفرقة ، فقال الخضر : « هذا فِراقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ » . ويقال كما أن موسى - عليه السلام - كان يحب صحبة الخضر لما له في ذلك من غرض الاستزادة من العلم فإن الخضر كان يحب ترك صحبة موسى عليه السلام إيثارا للخلوة باللّه عن المخلوقين .
--> ( 1 ) ومع ذلك لم يطلب اجرا ، ولم يفكر في ذلك البتة . . لأنه كان بحق اللّه ؛ ولكنه في هذا الموقف كان متكلفا ، فهو يفكر بحظ نفسه ، ولذا فكر في الأجر وطلب الطعام .