ابو القاسم عبد الكريم القشيري
400
لطائف الإشارات
وا خجلتي من وقوفي وسط دارهم ! وقال لي مغضبا : من أنت يا رجل ؟ وقوله جل ذكره : لَقَدْ جِئْتُمُونا كَما خَلَقْناكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّنْ نَجْعَلَ لَكُمْ مَوْعِداً جئتمونا بلا شفيع ولا ناصر ، ولا معين ولا مظاهر . قوم يقال لهم : سلام عليكم . . . كيف أنتم ؟ وكيف وجدتم مقيلكم ؟ وكم إلى لقائنا اشتقتم ! وقوم يقال لهم : ما صنعتم ، وما ضيّعتم ؟ ما قدّمتم ، وما أخرتم ؟ ما أعلنتم ، وما أسررتم ؟ قل لي بألسنة التنفّس « 1 » * كيف أنت وكيف حالك ؟ ويقال يجيب بعضهم عند السؤال فيفصحون عن مكنون قلوبهم ، ويشرحون ما هم به من أحوال مع محبوبهم وآخرون تملكهم الحيرة وتسكتهم الدهشة ، فلا لهم بيان ، ولا ينطق عنهم لسان . وآخرون كما قيل : قالت سكينة من هذا فقلت لها : * أنا الذي أنت من أعدائه زعموا قوله جل ذكره : [ سورة الكهف ( 18 ) : آية 49 ] وَوُضِعَ الْكِتابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يا وَيْلَتَنا ما لِهذَا الْكِتابِ لا يُغادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلاَّ أَحْصاها وَوَجَدُوا ما عَمِلُوا حاضِراً وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً ( 49 ) إنما يصيبهم ما كتب في الكتاب الأول وهو المحفوظ ، لا ما في الكتاب الذي هو كتاب أعمالهم نسخه ما في اللوح المحفوظ . ويقال إن عامل عبدا بما في الكتاب الذي أثبته الملك عليه فكثير من عباده يعاملهم بما في كتاب الملك - سبحانه ، وفرق بين من يعامل بما في كتاب الحقّ من الرحمة « 2 » والشفقة وبين من يحاسبه بما كتب عليه الملك من الزّلة « 3 »
--> ( 1 ) التنفس : الاستراحة من الكد والتعب ( 2 ) يشير بذلك إلى قوله تعالى « كَتَبَ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ » ( آية 12 سورة الأنعام ) وإلى قوله تعالى : « فَقُلْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ » ( آية 54 سورة الأنعام ) . ( 3 ) يشير بذلك إلى قوله تعالى : « بَلى وَرُسُلُنا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ » ( آية 80 سورة الزخرف ) .