ابو القاسم عبد الكريم القشيري
391
لطائف الإشارات
من لم يعد أيامه لاشتغاله باللّه أحصى اللّه أنفاسه التي للّه ، قال تعالى : « أَحْصى كُلَّ شَيْءٍ عَدَداً » . قوله جل ذكره : [ سورة الكهف ( 18 ) : آية 27 ] وَاتْلُ ما أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتابِ رَبِّكَ لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ وَلَنْ تَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَداً ( 27 ) تسلّ - حينما تتنوع عليك الأحوال - بما نطلعك عليه من الأخبار ؛ وإنّ كتب الأحباب فيها شفاء لأنها خطاب الأحباب للأحباب . قوله جل ذكره : لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ وَلَنْ تَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَداً أي لا تغيير لحكمه ؛ فمن أقصاه فلا قبول له ، ومن أدناه فلا وصول له ، ومن قبله فلا ردّ له ، ومن قرّ به فلا صدّ له . قوله جل ذكره : [ سورة الكهف ( 18 ) : آية 28 ] وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلا تَعْدُ عَيْناكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنا وَاتَّبَعَ هَواهُ وَكانَ أَمْرُهُ فُرُطاً ( 28 ) قال : « وَاصْبِرْ نَفْسَكَ » ولم يقل : « قلبك » لأن قلبه كان مع الحقّ ، فأمره بصحته جهرا يجهر ، واستخلص قلبه لنفسه سرّا بسرّ . ويقال « يُرِيدُونَ وَجْهَهُ » : معناها مريدين وجهه أي في معنى الحال ، وذلك يشير إلى دوام دعائهم ربهم بالغداة والعشىّ وكون الإرادة على الدوام . ويقال « يُرِيدُونَ وَجْهَهُ » : فآويناهم في دنياهم بعظائمنا ، وفي عقباهم بكرائمنا . ويقال « يُرِيدُونَ وَجْهَهُ » : فكشف قناعهم ، وأظهر صفتهم ، وشهرهم بعد ما كان قد سترهم ، وأنشدوا :