ابو القاسم عبد الكريم القشيري

384

لطائف الإشارات

هم مساوبون عنهم ، مختطفون منهم ، مستهلكون فيما كوشفوا به من وجود الحق ؛ فظاهرهم - في رأى الخلق - أنهم بأنفسهم ، وفي التحقيق : القائم عنهم غيرهم . وهم محو فيما كوشفوا به من الحقائق . ثم قال : « وَنُقَلِّبُهُمْ ذاتَ الْيَمِينِ وَذاتَ الشِّمالِ » : وهذا إخبار عن حسن إيوائه لهم ؛ فلا كشفقة الأمهات بل أتم ، ولا كرحمة الآباء بل أعزّ . . . وباللّه التوفيق . ويقال إن أهل التوحيد صفتهم ما قال الحقّ - سبحانه - في صفة أصحاب الكهف : « وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقاظاً وَهُمْ رُقُودٌ » فهم بشواهد الفرق في ظاهرهم ، لكنهم بعين الجمع بما كوشفوا به في سرائرهم ، يجرى عليهم أحوالهم وهم غير متكلّفين ، بل هم يثبتون - وهم خمود عما هم به - أن تصرفاتهم القائم بها عنهم سواهم ، وكذلك في نطقهم « 1 » . قوله جل ذكره : وَكَلْبُهُمْ باسِطٌ . ذِراعَيْهِ بِالْوَصِيدِ لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِراراً وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْباً كما ذكرهم ذكر كلبهم ، ومن صدق في محبة أحد أحبّ من انتسب إليه وما ينسب إليه . ويقال كلب خطا مع أحبائه خطوات فإلى القيامة يقول الصبيان - بل الحق يقول بقوله العزيز - : « وَكَلْبُهُمْ باسِطٌ . . . . » فهل ترى أنّ مسلما يصحب أولياءه من وقت شبابه إلى وقت مشيبه يردّه يوم القيامة خائبا . ؟ إنه لا يفعل ذلك . ويقال في التفاسير إنهم قالوا للراعى الذي تبعهم والكلب معه : اصرف هذا الكلب عنّا . . . فقال الراعي : لا يمكنني ، فإني أنا دينه . ويقال أنطق اللّه سبحانه - الكلب فقال لهم : لم تضربوننى ؟ فقالوا : لتنصرف عنّا . فقال : لا يمكنني أن أنصرف . . لأنه ربّانى . ويقال كلب بسط يده على وصيد الأولياء فإلى القيامة يقال « وَكَلْبُهُمْ باسِطٌ ذِراعَيْهِ »

--> ( 1 ) فنطق العبد الواله وتصرفه يكونان باللّه . . . . تذكر قصة الحلاج .