ابو القاسم عبد الكريم القشيري

382

لطائف الإشارات

لمّا لم يكن لهم حجة اتضح فيما ادعوه كذبهم ، فمن اكتفى بنفي القالة دون ما يشهد لقوله من أدلته فهو معلول في نحلته . « فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً ؟ » فمن ذكر في الدّين قولا لم يؤيّد ببرهان عقلي أو نقلي فهو مفتر ، ومن أظهر من نفسه حالا لم يوجبه صدق مجاهدته أو منازلته فهو على اللّه مفتر . والذي يصدق في قوله - في هذه الطريقة - فهو الذي يسمع من الحق بسرّه ، ثم ينطق بلفظه « 1 » . قوله جل ذكره : [ سورة الكهف ( 18 ) : آية 16 ] وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَما يَعْبُدُونَ إِلاَّ اللَّهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرْفَقاً ( 16 ) العزلة عن غير اللّه توجب الوصلة باللّه . بل لا تحصل الوصلة باللّه إلا بعد العزلة عن غير اللّه . ويقال لما اعتزلوا ما عبد من دون اللّه آواهم الحقّ إلى كنف رعايته ، ومهد لهم مثوى في كهف عنايته . ويقال من تبرّأ من اختياره في احتياله ، وصدق رجوعه إلى اللّه في أحواله ، ولم يستعن - بغير اللّه - من أشكاله وأمثاله آواه إلى كنف أفضاله ، وكفاه جميع أشغاله ، وهيّأ له محلّا يتفيؤ فيه في برد ضلاله ، بكمال إقباله . قوله جل ذكره : وَتَرَى الشَّمْسَ إِذا طَلَعَتْ تَزاوَرُ « 2 » عَنْ كَهْفِهِمْ ذاتَ الْيَمِينِ وَإِذا غَرَبَتْ

--> ( 1 ) هذا رأى على جانب كبير من الخطورة في قضية هامة من قضايا التصوف ، كانت لها في بعض الأحيان عواقب جسيمة : وهي هل يفصح الصوفي الواله أم يكتم ؟ ونلاحظ أنى القشيري ربط القضية بعنصر أساسي هو الصدق . . . ( 2 ) نزاور من الزور وهو الميل ، والزور الميل عن الصدق .