ابو القاسم عبد الكريم القشيري

378

لطائف الإشارات

ما على الأرض زينة لها تدرك بالأبصار ، وممن على الأرض من هو زينة لها يعرف بالأسرار . وإنّ قيمة الأوطان لقطّانها ، وزينة المساكن في سكّانها . ويقال العبّاد بهم زينة الدنيا ، وأهل المعرفة بهم زينة الجنة . ويقال الأولياء زينة الأرض وهم أمان من في الأرض . ويقال إذا تلألأت أنوار التوحيد في أسرار الموحدين أشرقت جميع الآفاق بضيائهم . قوله جل ذكره : لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا أحسنهم عملا أصدقهم نيّة ، وأخلصهم طوية . ويقال أحسنهم عملا أكثرهم احتسابا ؛ إذ لا ثواب لمن لا حسبة له ، وأعلى من هذا بل وأولى من هذا فأحسنهم عملا أشدّهم استصغار لفعله ، وأكثرهم استحقارا لطاعته ؛ لشدة رؤيته لتقصيره فيما يعمله ، ولانتقاصه أفعاله في جنب ما يستوجبه الحقّ بحقّ أمره . ويقال أحسن أعمال المرء نظره إلى أعماله بعين الاستحقار والاستصغار ، لقول الشاعر : وأكبر من فعله وأعظمه * تصغيره فعله الذي فعله معناه : أكبر من فعله - الذي هو عطاؤه وبذله - تقليله واستصغاره لما يعطيه ويجود به . قوله جل ذكره : [ سورة الكهف ( 18 ) : آية 8 ] وَإِنَّا لَجاعِلُونَ ما عَلَيْها صَعِيداً جُرُزاً ( 8 ) كون ما على الأرض زينة لها في الحال سلب قدره بما أخبر أنه سيفنيه في المآل . قوله جل ذكره : [ سورة الكهف ( 18 ) : آية 9 ] أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كانُوا مِنْ آياتِنا عَجَباً ( 9 ) أزال الأعجوبة عن أوصافهم بما أضافه إلى ربّه بقوله : « مِنْ آياتِنا » ؛ فقلب العادة من قبل اللّه غير مستنكر ولا مبتدع .