ابو القاسم عبد الكريم القشيري
361
لطائف الإشارات
ومن التكريم ما ألقى عليهم من محبة الخالق حتى أحبوه . ومن التكريم لقوم توفيق صدق القدم ، ولقوم تحقيق علوّ الهمم . قوله : « وَحَمَلْناهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ » : سخّر البحر لهم حتى ركبوا في السفن ، وسخّر البرّ لهم حتى قال : « لا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلا لِلْقَمَرِ » . ويقال محمول الكرام لا يقع ، فإن وقع وجد من يأخذ بيده . ويقال الإشارة في حملهم في البرّ ما أوصل إليهم جهرا « 1 » ، والإشارة بحديث البحر ما أفردهم به من لطائف الأحوال سرّا . ويقال لمّا حمل بنو آدم الأمانة « 2 » حملناهم في البر ، فحمل هو جزاء حمل ، حمل هو فعل من لم يكن « 3 » وحمل هو فضل من لم يزل . قوله : « وَرَزَقْناهُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ » : الرزق الطيب ما كان على ذكر الرازق ؛ فمن لم يكن غائبا بقلبه « 4 » ولا غافلا عن ربّه استطاب كلّ رزق ، وأنشدوا : يا عاشقى إني سعدت شرابا * لو كان حتى علقما أو صابا قوله : « وَفَضَّلْناهُمْ عَلى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنا تَفْضِيلًا » : أي الذين فضلناهم على خلق كثير ، وليس يريد أن قوما بقوا لم يفضلهم عليهم ، ولكن المعنى أنا فضلناهم على كلّ من خلقنا ، وذلك التفضيل في الخلقة . ثم فاضل بين بني آدم في شئ آخر هو الخلق الحسن ، فجمعهم في الخلقة - التي يفضلون بها سائر المخلوقات - ومايز بينهم في الخلق . ويقال : « كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ » : هذا اللفظ للعموم ، والمراد منه الخصوص ، وهم المؤمنون ، وبذلك يفضل قوم على الباقين ، ففضّل أولياءه على كثير ممن لم يبلغوا استحقاق الولاية .
--> ( 1 ) وردت ( خيرا ) والصواب أن تكون ( جهرا ) لتقابل سرا ) وبذلك يقوى السياق ويتماسك . ( 2 ) وردت ( الإهانة ) بالهاء ومن المؤكد أن الميم التبست على الناسخ والمراد ( الأمانة ) إشارة إلى قوله تعالى : « إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ . . . الآية » . ( 3 ) ( من لم يكن ) هو الإنسان و ( من لم يزل ) هو الرب سبحانه وتعالى . ( 4 ) غيبة القلب عن علم ما يجرى من أحوال الخلق لاشتغال الحس بما ورد عليه ، ثم يغيب عن إحساسه بنفسه وغيره ( الرسالة ص 40 ) .