ابو القاسم عبد الكريم القشيري

348

لطائف الإشارات

ويقال الفرق بين من قام بالعلم وبين من قام بالحق أنّ العلماء يعرفون الشيء أولا ثم يعلمون بعلمهم ، وأصحاب الحقّ يجرى عليهم بحكم التصريف شئ لا علم لهم به على التفصيل ، وبعد ذلك يكشف لهم وجهه ، وربما يجرى على ألسنتهم شئ لا يدرون وجهه ، ثم بعد فراغهم من النطق به يظهر لقلوبهم برهان ما قالوه ، ودليل ما نطقوا به من شواهد العلم « 1 » . قوله : « إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ . . . » هذه أمانة الحق - سبحانه - عند العبد ، وقد تقدم في بابها بما أوضحته ببراهين الشريعة . ومن استعمل هذه الجوارح في الطاعات ، وصانها عن استعمالها في المخالفات فقد سلّم الأمانة على وصف السلامة ، واستحق المدح والكرامة . ومن دنّسها بالمخالفات فقد ظهرت عليه الخيانة ، واستوجب الملامة . قوله جل ذكره : [ سورة الإسراء ( 17 ) : آية 37 ] وَلا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبالَ طُولاً ( 37 ) الخيلاء والتجبّر ، والمدح والتكبّر - كل ذلك نتائج الغيبة عن الذكر ، والحجبة عن شهود الحقّ ؛ فإنّ اللّه إذا تجلّى لشئ خشع له - بذلك ورد الخبر . فأمّا في حال حضور القلب واستيلاء الذكر وسلطان الشهود . فالقلب مطرق ، وحكم الهيبة غالب . ونعت المدح وصفة الزّهو وأسباب التفرقة - كل ذلك ساقط . والناس - في الخلاص من صفة التكبر - أصناف : فأصحاب الاعتبار إذ عرفوا أنهم مخلوقون من نطفة أمشاج ، وما تحمله أبدانهم مما يترشح من مسامهم من بقايا طعامهم وشرابهم . . تعلو هممهم عن التضييق والتدنيق « 2 » ، ويبعد عن قلوبهم قيام أخطار للأشياء ، ولا يخطر على داخلهم إلا ما يزيل عنهم التكبر ، وينزع عنهم لباس التجبّر .

--> ( 1 ) من هذه الوصية وما جاء بعدها يتضح رأى القشيري في التفرقة بين المعرفة عند أرباب العلوم والمعرفة عند أرباب الحقائق ، ويذهب القشيري في « رسالته » إلى أن باستطاعة كبار شيوخ أهل هذه الطريقة أن يفتوا في مسائل الفقه إفتاء يعتدّ به حتى لو كان أحدهم أميا ( أنظر الرسالة ص 198 وقصة شيبان الراعي مع الشافعي وابن حنبل ) . ( 2 ) دنّق البخيل بالغ في التضييق في النفقة