ابو القاسم عبد الكريم القشيري
329
لطائف الإشارات
الدعاء إلى سبيل اللّه بحثّ « 1 » الناس على طاعة اللّه ، وزجرهم عن مخالفة أمر اللّه . والدعاء بالحكمة ألا يخالف بالفعل ما يأمر به الناس بالنطق . والموعظة الحسنة ما يكون صادرا عن علم وصواب ، ولا يكون فيها تعنيف . « وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ » : بالحجة الأقوى ، والطريقة الأوضح . قال تعالى : « وَما أُرِيدُ أَنْ أُخالِفَكُمْ إِلى ما أَنْهاكُمْ عَنْهُ » « 2 » : فشرط الأمر بالمعروف استعمال ما تأمر به ، والانتهاء عما تنهى عنه « 3 » . قوله جل ذكره : [ سورة النحل ( 16 ) : الآيات 126 إلى 127 ] وَإِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ ( 126 ) وَاصْبِرْ وَما صَبْرُكَ إِلاَّ بِاللَّهِ وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ ( 127 ) إذا جرى عليكم ظلم من غيركم وأردتم الانتقام . . فلا تتجاوزوا حدّ الإذن بما هو في حكم الشرع . « وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ » : فتركتم الانتصاف لأجل مولاكم فهو خير لكم إن فعلتم ذلك . والأسباب التي قد يترك لأجلها المرء الانتصاف مختلفة ؛ فمنهم من يترك ذلك طمعا في الثواب غدا فإنه أوفر وأكثر ، ومنهم من يترك ذلك طمعا في أن يتكفّل اللّه بخصومه ، ومنهم من يترك ذلك لأنه مكتف بعلم اللّه تعالى بما يجرى عليه ، ومنهم من يترك ذلك لكرم نفسه ، وتحرّره عن الأخطار ولاستحبابه العفو عند الظّفر ، ومنهم من لا يرى لنفسه حقا ، ولا يعتقد أنّ لأحد هذا الحق فهو على عقد إرادته بترك نفسه ؛ فملكه مباح ودمه هدر . ومنهم من ينظر إلى خصمه - أي المتسلط عليه - على أنّ فعله جزاء على ما عمله هو من مخالفة أمر اللّه ، قال تعالى : « وَما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ » « 4 » . فاشتغاله باستغفاره عن جرمه يمنعه عن انتصافه من خصمه . قوله جل ذكره : وَاصْبِرْ وَما صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ
--> ( 1 ) وردت ( بحيث ) وهي خطأ في النسخ . ( 2 ) آية 88 سورة هود . ( 3 ) أي تكون أنت قدوة فيما تدعو إليه من أوامر وما تنهى عنه من زواجر . ( 4 ) آية 30 سورة الشورى .