ابو القاسم عبد الكريم القشيري

323

لطائف الإشارات

وتجردوا لسلوك طريق اللّه ثم عرضت لهم أسباب ، واتفقت لهم أعذار ؛ كأن يكون لهم ببعض الأسباب اشتغال أو إلى شئ من العلوم رجوع . . لم يكن ذلك قادحا في صحة إرادتهم ، ولا يعدّ ذلك فسخا لعهودهم ، ولا ينفى بذلك عنهم سمة القصد إلى اللّه تعالى . أمّا « مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً » : فرجع باختياره ، ووضع قدما - كان قد رفعه في طريق اللّه - بحكم هواه فقد نقض عهد إرادته ، وفسخ عقده ، وهو مستوجب ( . . . ) « 1 » إلى ( . . . ) « 2 » تتداركه الرحمة . قوله جل ذكره : [ سورة النحل ( 16 ) : آية 107 ] ذلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَياةَ الدُّنْيا عَلَى الْآخِرَةِ وَأَنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ ( 107 ) السالك إذا اثر ( الحظوظ ) « 3 » على الحقوق بقي عن اللّه ، ولم يبارك له فيما آثره على حقّ اللّه ، ولقد قالوا : قد تركناك والذي تريد * فعسى أن تملهم فتعود قوله جل ذكره [ سورة النحل ( 16 ) : آية 108 ] أُولئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصارِهِمْ وَأُولئِكَ هُمُ الْغافِلُونَ ( 108 ) إذا تمادى في غفلته ، ولم يتدارك حاله بملازمة حسرته ، ازداد قسوة على قسوة ، ولم يستمتع بما هو فيه من قوة ، وكما قال جل ذكره : [ سورة النحل ( 16 ) : آية 109 ] لا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْخاسِرُونَ ( 109 ) هم في الآخرة محجوبون ، وبذلّ البعد موسومون .

--> ( 1 ) مشتبهة ( 2 ) مشتبهة . ( 3 ) سقطت هذه اللفظة والسياق يتطلبها ، فأثبتناها حسبما نعرف من أسلوب القشيري في المقابلة بين حظوظ النفس وحقوق الحق .