ابو القاسم عبد الكريم القشيري
310
لطائف الإشارات
ثم نفى عنهما المساواة إذ ليس من كان بنفسه ، ملاحظا لأبناء جنسه ، متماديا في حسبان مغاليطه كمن كان مدركا بربّه مصطلما « 1 » عن شاهده ، غائبا عن غيره ، والمجرى عليه ربّه ولا حول له إلا به . قوله جل ذكره : [ سورة النحل ( 16 ) : آية 76 ] وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً رَجُلَيْنِ أَحَدُهُما أَبْكَمُ لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلى مَوْلاهُ أَيْنَما يُوَجِّهْهُ لا يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ( 76 ) هذا المثل أيضا للمؤمن والكافر ؛ فالكافر كالجاهل الأبكم الذي لا يجئ منه شئ ، ولا يحصل منه نفع ، والمؤمن على الصراط المستقيم يتبرأ عن حوله وقوّته ، ولا يعترف إلا بطوله - سبحانه - ومنّته . قوله جل ذكره : [ سورة النحل ( 16 ) : آية 77 ] وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما أَمْرُ السَّاعَةِ إِلاَّ كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ( 77 ) استأثر الحقّ - سبحانه - بعلم الغيبيات ، وسترها على الخلق ؛ فيخرج قوما في الضّلالة ثم ينقلهم إلى صفة الولاية ، ويقيم قوما برقم العداوة ثم يردهم إلى وصف الولاية . . فالعواقب مستورة ، والخواتيم مبهمة ، والخلق في غفلة عما يراد بهم . قوله جل ذكره : [ سورة النحل ( 16 ) : آية 78 ] وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ( 78 )
--> ( 1 ) الاصطلام : نعت غلبة ترد على المقول فيستلبها بقوة سلطانه وقهره ( اللمع ص 450 ) .