ابو القاسم عبد الكريم القشيري
303
لطائف الإشارات
الذمّ كلّ من آثر حظّ نفسه على حقّ مولاه ، فإذا فعل ماله فيه نصيب وغرض كان مذموم الوصف ، ملوما على ما اختاره من الفعل . ثم إنه عابهم على قبيح ما كانوا يفعلونه ويتصفون به من كراهة أن تولد لهم الإناث فقال : [ سورة النحل ( 16 ) : الآيات 58 إلى 59 ] وَإِذا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ ( 58 ) يَتَوارى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ ما بُشِّرَ بِهِ أَ يُمْسِكُهُ عَلى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرابِ أَلا ساءَ ما يَحْكُمُونَ ( 59 ) استولت عليهم رؤية الخلق « 1 » ، وملكتهم الحيرة ، فحنقوا على البنات مما يلحقهم عند تزويجهن وتمكين البعل فيهن . . وهذه نتائج الإقامة في أوطان التفرقة ، والغيبة عن شهود الحقيقة . ثم قال : « أَ يُمْسِكُهُ عَلى هُونٍ » أي يحبس المولود إذا كان أنثى على مذلّة ، « أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرابِ » ليموت ؟ وتلك الجفوة في أحوالهم جعلت - من قساوة قلوبهم في أحوالهم - العقوبة أشدّ ممّا كانت بتعجيلها لهم . وجعلهم فرط غيظهم ، وفقد رضائهم ، وشدة حنقهم على من لا ذنب له من أولادهم - من أهل النار في دركات جهنم ، وتكدّر عليهم الوقت ، واستولت الوحشة . . ونعوذ باللّه من المثل السوء ! قوله جل ذكره : [ سورة النحل ( 16 ) : الآيات 60 إلى 61 ] لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلى وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ( 60 ) وَلَوْ يُؤاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ ما تَرَكَ عَلَيْها مِنْ دَابَّةٍ وَلكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ ( 61 )
--> ( 1 ) أي تشتت رؤيتهم حين لم ينظروا إلى الخالق واستبدلوا ذلك بأن نظروا للمخلوق . . . وهذه صفة هل التفرقة والغيبة - كما سيأتي بعد .