ابو القاسم عبد الكريم القشيري
295
لطائف الإشارات
كما أن الإرادات والهمم تختلف في الدنيا فكذلك في الآخرة ، وفي الخبر : « من كان بحالة لقى اللّه بها » فمن مريد يكتفى من الجنة بورودها ، ومن مريد لا يكتفى من الجنة دون شهود ربّ الجنة . ويقال إذا شاءوا أن يعودوا إلى ما فاتهم من قصورهم ، وما وجدوا في ذلك من صحبة اللّعين « 1 » في سائر أحوالهم وأمورهم يسلم لهم ذلك ، ومن شاء أن تدوم رؤيته ، ويتأبّد سماع خطابه فلهم ما يشاءون فيها ولدينا مزيد ، وهو ما لم يخطر ببال أحد . قوله جل ذكره : [ سورة النحل ( 16 ) : آية 32 ] الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلامٌ عَلَيْكُمْ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ( 32 ) يقبض أرواحهم طيبة . أو يقال « طَيِّبِينَ » حال . والأسباب التي تطيب بها قلوبهم وأرواحهم مختلفة ، فمنهم من طاب وقته لأنه قد غفرت ذنوبه ، وسترت عيوبه ، ومنهم من طاب قلبه لأنه سلّم عليه محبوبه ، ومنهم من طاب قلبه لأنه لم يفته مطلوبه . ومنهم من طاب وقته لأنه يعود إلى ثوابه ، ويصل إلى حسن مآبه . ومنهم من يطيب قلبه لأنه أمن من زوال حاله ، وحظى بسلامة مآله « 2 » ، ومنهم من يطيب قلبه لأنه وصل إلى أفضاله ، وآخر لأنه وصل إلى لطف جماله ، وثالث لأنه خصّ بكشف جلاله - قد علم كلّ أناس مشربهم . ويقال « تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ » طيبة نفوسهم أي طاهرة من التدنّس بالمخالفات ، وطاهرة قلوبهم عن العلاقات ، وأسرارهم عن الالتفات إلى شئ من المخلوقات .
--> ( 1 ) اللعين مقصود به إبليس . ( 2 ) وردت ( ماله ) والملائم هنا أن تكون ( مآله ) .