ابو القاسم عبد الكريم القشيري
293
لطائف الإشارات
في الدنيا عاجل بلائهم ، وبين أيديهم آجله . وحسرة « 1 » المفلس تتضاعف إذا ما حوسب ، وشاهد حاصله . « قالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ . . » : يسمع الكافرين قول المؤمنين ، ويبيّن للكافة صدقهم . ويقع الندم على جاهلهم « 2 » . وأما اليوم فعليهم بالصبر والتحمّل ، وعن قريب ينكشف الغطاء ، وأنشد بعضهم : خليلىّ لو دارت على رأسي الرّحى * من الذّلّ لم أجزع ولم أتكلّم وأطرقت حتى قيل لا أعرف الجفا * ولكنني أفصحت يوم التكلّم قوله جل ذكره : [ سورة النحل ( 16 ) : الآيات 28 إلى 29 ] الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ فَأَلْقَوُا السَّلَمَ ما كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ بَلى إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ( 28 ) فَادْخُلُوا أَبْوابَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها فَلَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ ( 29 ) « ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ » : بارتكاب المعاصي وهم الكفار . « فَأَلْقَوُا السَّلَمَ » : انقادوا واستسلموا لحكم اللّه . « ما كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ » : جحدوا وأنكروا ما عملوا من المخالفات . « بَلى إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ » : هكذا قالت لهم الملائكة ، ثم يقولون لهم : « فَادْخُلُوا أَبْوابَ . . » : وكذلك الذين تقسو نفوسهم بإعراضهم عن الطاعات إذا نزلت بهم الوفاة يأخذون في الجزع وفي التضرع ، ثم لا تطيب نفوسهم بأن يقرّوا بتفاصيل أعمالهم عند الناس ، فيما يتعلق بإرضاء خصومهم لما أخلّوا من معاملاتهم ، ثم اللّه يؤاخذهم بالكبير والصغير ، والنقير والقطمير ، ثم يبقون أبدا في وبال ما أحقبوه ، لأن شؤم ذلك يلحقهم في أخراهم .
--> ( 1 ) وودت ( مرة ) بالميم ( وهي خطأ في النسخ كما هو واضح . ( 2 ) وردت ( جاهدهم ) بالدال . وربما كانت في الأصل ( جاحدهم ) ، فالجهل والجحد من صفات الكافرين .