ابو القاسم عبد الكريم القشيري

267

لطائف الإشارات

مواضع سرّه ، والنفوس خزائن توفيقه ، والقلوب خزائن تحقيقه ، واللسان خزانة ذكره . ويقال من عرف أن خزائن الأشياء عند اللّه تقاصرت خطاه عن التردد على منازل الناس في طلب الإرفاق منهم ، وسعى في الآفاق في طلب الأرزاق منها ، قاطعا أمله عن الخلق ، مفردا قلبه للّه متجردا عن التعلّق بغير اللّه . قوله : « وَما نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ » : عرف القسمة من استراح عن كدّ الطلب ؛ فإنّ المعلوم لا يتغير ، والمقسوم لا يزيد ولا ينقص ، وإذا لم يجب عليه شئ لأحد فبقدرته على إجابة العبد إلى طلبته لا يتوجب عليه شئ . ويقال أراح قلوب الفقراء من تحمّل المنّة من الأغنياء مما يعطونهم ، وأراح الأغنياء من مطالبة الفقراء منهم شيئا ، فليس للفقير صرف القلب عن اللّه سبحانه إلى مخلوق واعتقاد منّة لأحد ، إذ الملك كله للّه ، والأمر بيد اللّه ، ولا قادر على الإبداع إلا اللّه . قوله جل ذكره : [ سورة الحجر ( 15 ) : آية 22 ] وَأَرْسَلْنَا الرِّياحَ لَواقِحَ فَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَسْقَيْناكُمُوهُ وَما أَنْتُمْ لَهُ بِخازِنِينَ ( 22 ) كما أن الرياح في الآفاق مقدّمات المطر كذلك الآمال في القلوب ، وما يقرب العبد مما يتوارد على قلبه من مبشرات الخواطر ، ونسيم النجاة في الطلب يحصل ، فيستروح القلب إليه قبل حصول المأمول من الكفاية واللطف . قوله جل ذكره : فَأَسْقَيْناكُمُوهُ وَما أَنْتُمْ لَهُ بِخازِنِينَ أسقاه إذا جعل له السّقيا ؛ كذلك يجعل الحق - سبحانه - لأوليائه ألطافا معلومة في أوقات محدودة ! كما قال في وصف أهل الجنة : « وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيها بُكْرَةً وَعَشِيًّا » . كذلك يجعل من شراب القلوب لكلّ وردا معلوما ، ثم قضايا ذلك تختلف : فمن شراب يسكر ، ومن شراب يحضر ، ومن شراب يزيل الإحساس ، كما قيل : فصحوك من لفظي هو الصحو كله * وسكرك من لحظى يبيح لك الشّربا ويقال إذا هبت رياح التوحيد على الأسرار كنست آثار البشرية ، فلا للأغيار فيها أثر ، ولا عن الخلائق لهم خبر .