ابو القاسم عبد الكريم القشيري
264
لطائف الإشارات
قوله جل ذكره : [ سورة الحجر ( 15 ) : الآيات 7 إلى 8 ] لَوْ ما تَأْتِينا بِالْمَلائِكَةِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ ( 7 ) ما نُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ إِلاَّ بِالْحَقِّ وَما كانُوا إِذاً مُنْظَرِينَ ( 8 ) اقترحوا عليه الإتيان بالملائكة بعد ما أزيحت العلة عليهم بما أيّد به معجزاته ، فيتوجب اللّوم عليهم لسوء أدبهم . وأخبر الحقّ - سبحانه - أنه أجرى عادته أنه إذا أظهر الملائكة لأبصار بني آدم فيكون ذلك عند استبصارهم ؛ لأنه تصير المعرفة ضرورية . وفي المعلوم أنه لم يكن ذلك الوقت أوان هلاكهم ؛ لعلمه أنّ في أصلابهم من يؤمن باللّه سبحانه في المستأنف . قوله جل ذكره : [ سورة الحجر ( 15 ) : آية 9 ] إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ ( 9 ) أنزل التوراة وقد وكل حفظها إلى بني إسرائيل بما استحفظوا من كتاب اللّه ، فحرّفوا وبدّلوا ، وأنزل الفرقان وأخبر أنه حافظه ، وإنما يحفظه بقراءة ؛ فقلوب القرّاء خزائن كتابه ، وهو لا يضيع كتابه . قوله جل ذكره : [ سورة الحجر ( 15 ) : الآيات 10 إلى 13 ] وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ فِي شِيَعِ الْأَوَّلِينَ ( 10 ) وَما يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ ( 11 ) كَذلِكَ نَسْلُكُهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ ( 12 ) لا يُؤْمِنُونَ بِهِ وَقَدْ خَلَتْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ ( 13 ) أخبر أنه كانت عادتهم التكذيب ، وأنه أدام سنّته معهم في التعذيب . ثم قال : « كَذلِكَ نَسْلُكُهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ » : وهم لا يؤمنون به لأنه أزاح قلوبهم عن شهود الحقيقة ، وسدّ - بالحرمان - عليهم سلوك الطريقة ، وبيّن أنه لو أراهم الآيات عيانا ما ازدادوا