ابو القاسم عبد الكريم القشيري

253

لطائف الإشارات

في الظاهر رفع السماء فأعلاها ، والأرض من تحتها دحاها ، وخلق فيها بحارا ، وأجرى أنهارا ، وأنبت أشجارا ، وأثبت لها أنوارا وأزهارا ، وأمطر من السماء ماء مدرارا . وأخرج من الثمرات أصنافا ، ونوّع لها أوصافا ، وأفرد لكلّ منها طعما مخصوصا ، ولإدراكه وقتا معلوما . وأمّا في الباطن فسماء القلوب زيّنها بمصابيح العقول ، وأطلع فيها شمس التوحيد ، وقمر العرفان . ومرج في القلوب بحرى الخوف والرجاء ، وجعل بينهما برزخا لا يبغيان ؛ فلا الخوف يقلب الرجاء ولا الرجاء يقلب الخوف ، كما جاء في الخبر : « لو وزنا لاعتدلا » « 1 » - هذا لعوام المؤمنين ، فأمّا الخواص فالقبض والبسط ، ولخاص الخاص فالهيبة والأنس والبقاء والفناء . وسخّر لهم الفلك في هذه البحار ليعبروها بالسلامة ، وهي فلك التوفيق والعصمة ، وسفينة الأنوار والحفظ . وكذلك ليالي الطلب للمريدين ، وليالي الطرب لأهل الأنس من المحبين ، وليالي الحرب « 2 » للتائبين ، وكذلك نهار العارفين باستغنائهم عن سراج العلم عند متوع نهار اليقين . قوله جل ذكره : [ سورة إبراهيم ( 14 ) : آية 34 ] وَآتاكُمْ مِنْ كُلِّ ما سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لا تُحْصُوها إِنَّ الْإِنْسانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ ( 34 ) ما سمت إليه هممكم ، وتعلّق به سؤالكم ، وخطر تحقيق ذلك ببالكم ، أنلناكم

--> ( 1 ) أورده السراج في لمعه ص 91 ( قال صلى اللّه عليه وسلم : لو وزن خوف المؤمن ورجاؤه لاعتدلا ) ( 2 ) ربما يقصد القشيري بالحرب هنا جهاد التائب مع نفسه ، وإظهار الحزن والتأسف .