ابو القاسم عبد الكريم القشيري

206

لطائف الإشارات

ويقال علم يوسف أن يعقوب لن يطيق على القيام بكفاية أمور يوسف فاستحضره ، إبقاء على حاله لا إخلالا لقدره وما وجب عليه من إجلاله . قوله جل ذكره : [ سورة يوسف ( 12 ) : الآيات 94 إلى 95 ] وَلَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ قالَ أَبُوهُمْ إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْ لا أَنْ تُفَنِّدُونِ ( 94 ) قالُوا تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلالِكَ الْقَدِيمِ ( 95 ) ما دام البلاء مقبلا كان أمر يوسف وحديثه - على يعقوب - مشكلا ، فلما زالت المحنة بعثرت بكل وجه حاله . ويقال لم يكن يوسف بعيدا عن يعقوب حين ألقوه في الجبّ ولكن اشتبه عليه خبره وحاله ، فلما زال البلاء وجد ريحه وبينهما مسافة ثمانين فرسخا - من مصر إلى كنعان . ويقال إنما انفرد يعقوب عليه السلام بوجدان ريح يوسف لانفرداه بالأسف عند فقدان يوسف . وإنما يجد ريح يوسف من وجد على فراق يوسف « 1 » ؛ فلا يعرف ريح الأحباب إلا الأحباب ، وأمّا على الأجانب فهذا حديث مشكل . . إذ أنّى يكون للإنسان ريح ! ؟ . ويقال لفظ الريح هاهنا توسع « 2 » ، فيقال هبّت رياح فلان ، ويقال إني لأجد ريح الفتنة . . وغير ذلك . قوله جل ذكره : لَوْ لا أَنْ تُفَنِّدُونِ تفرّس فيهم أنهم يبسطون لسان الملامة فلم ينجع فيهم قوله ، فزادوا في الملامة فقالوا : - قالُوا تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلالِكَ الْقَدِيمِ قرنوا كلامهم بالشتم ، ولم يحتشموا أباهم ، ولم يراعوا حقّه في المخاطبة ، فوضفوه بالضلال في المحبة . ويقال إن يعقوب عليه السلام قد تعرّف من الريح نسيم يوسف عليه السلام ، وخبر يوسف كثر حتى جاء الإذن للرياح ، وهذه سنّه الأحباب : مساءلة الديار ومخاطبة الأطلال ، وفي معناه أنشدوا :

--> ( 1 ) لاحظ الجمال في أسلوب القشيري في ( يجد ) ريح يوسف و ( وجد ) على فراقه . ( 2 ) كلمة ( توسع ) يستخدمها القشيري بمعنى ( مجاز ) - ذلك الاصطلاح البلاغي المعروف .