ابو القاسم عبد الكريم القشيري

203

لطائف الإشارات

ولمّا أخجلهم حديث العتاب لم يرض يوسف حتى بسط عندهم فقال : « إِذْ أَنْتُمْ جاهِلُونَ » « 1 » . قوله جل ذكره : [ سورة يوسف ( 12 ) : آية 90 ] قالُوا أَ إِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ قالَ أَنَا يُوسُفُ وَهذا أَخِي قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ ( 90 ) في الابتداء حين جهلوه كانوا يقولون له في الخطاب : « يا أَيُّهَا الْعَزِيزُ » فلمّا عرفوه قالوا : « إِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ » ؛ لأنّه لمّا ارتفعت الأجنبية سقط التكلّف في المخاطبة ، وفي معناه أنشدوا : إذا صفت المودّة بين قوم * ودام ودادهم قبح الثناء ويقال إنّ التفاصل والتفارق بين يوسف وإخوته سبقا التواصل بينه وبين يعقوب عليهما السلام ؛ فالإخوة خبره وعرفوه قبل أن عرفه أبوه ليعلم أن الحديث بلا شك . ويقال لم يتقدموا على أبيهم في استحقاق الخبر عن يوسف ومعرفته ، بل إنهم - وإن عرفوه - فلم يلاحظوه بعين المحبة والخلة ، وإنما كان غرضهم حديث الميرة والطعام فقط ، فقال : « أَنَا يُوسُفُ وَهذا أَخِي » : يعنى إني لأخ لمثل هذا لا لمثلكم ؛ ولذا قال : « أَنَا يُوسُفُ وَهذا أَخِي » ، ولم يقل وأنتم إخوتي ، كأنّه أشار إلى طرف من العتاب ، يعنى ليس ما عاملتمونى به فعل الإخوة . ويقال هوّن عليهم حال بداهة « 2 » الخجلة حيث قال « أَنَا يُوسُفُ » بقوله : « وَهذا أَخِي » ، وكأنه شغلهم بقوله : « وَهذا أَخِي » كما قيل في قوله تعالى : « وَما تِلْكَ بِيَمِينِكَ يا مُوسى » إنه سبحانه شغل موسى عليه السلام باستماع : « وَما تِلْكَ بِيَمِينِكَ يا مُوسى » بمطالعة العصا في عين ما كوشف به من قوله : « إِنِّي أَنَا اللَّهُ » .

--> ( 1 ) واضح أن القشيري يطبق فكرة القبض والبسط في هذه الإشارة . ( 2 ) بداهة الخجلة مفاجأتها