ابو القاسم عبد الكريم القشيري
189
لطائف الإشارات
الحقائق لا تنكتم أصلا ولا بدّ من أن تبين . . . ولو بعد حين . نسب يوسف إلى ما كان منه بريئا ، وأنّب على ذلك مدة ، وكان أمره في ذلك خفيّا . ثم إن اللّه تعالى دفع عنه التهمة ورفع عنه المظنّة ، وأنطق عذّاله ، وأظهر حاله ، عما فرق به سرباله « 1 » ؛ فقلن : « حاشَ لِلَّهِ ما عَلِمْنا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ » . قوله جل ذكره : قالَتِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ لمّا كانت امرأة العزيز غير تامّة في محبة يوسف تركت ذنبها عليه وقالت لزوجها : « ما جَزاءُ مَنْ أَرادَ بِأَهْلِكَ سُوءاً إِلَّا أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذابٌ أَلِيمٌ » ولم يكن ليوسف عليه السلام ذنب . ثمّ لمّا تناهت في محبتة أقرّت بالذنب على نفسها فقالت : « الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ . . . » فالتناهى في الحبّ يوجب هتك الستر ، وقلة المبالاة بظهور الأمر والسّرّ « 2 » ، وقيل : ليقل من شاء ما * شاء فإني لا أبالي قوله جل ذكره : [ سورة يوسف ( 12 ) : آية 52 ] ذلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ وَأَنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي كَيْدَ الْخائِنِينَ ( 52 ) إنما أراد اللّه أن يظهر براءة ساحة يوسف ، لأنه علم أنهم يستحقون العقوبة على ما يبسطون فيه من لسان الملامة وذكر القبيح ، ولم يرد يوسف أن يصيبهم بسببه - من قبل اللّه - عذاب
--> ( 1 ) السربال - القميص . ( 2 ) من هذه الإشارة نستطيع بطريق غير مباشر أن نعرف موقف القشيري من قضية هامة وهي : هل يفصح المحب الواله عن حبه المكنون أم يكتم ؟ وهل تغتفر له شطحاته في هذا الموقف أم لا ؟