ابو القاسم عبد الكريم القشيري

181

لطائف الإشارات

أفصح يوسف عليه السلام بجرمها إذ ليس للفاسق حرمة يجب حفظها ، فلم يبال أن هتك سترها فقال . « هِيَ راوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي » فلمّا كان يوسف صادقا في قوله ، ولم يكن له شاهد أنطق اللّه الصبيّ الصغير الذي لم يبلغ أوان النطق « 1 » . ولهذا قيل إذا كان العبد صادقا في نفسه لم يبال اللّه أن ينطق الحجر لأجله . قوله : فَلَمَّا رَأى قَمِيصَهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ لما اتضح الأمر واستبان الحال وظهرت براءة ساحة يوسف عليه السلام قال العزيز : « إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ » : دلّت الآية على أنّ الزنا كان محرّما في شرعهم . قوله جل ذكره : [ سورة يوسف ( 12 ) : آية 29 ] يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هذا وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ الْخاطِئِينَ ( 29 ) لم يرد أن يهتك ستر امرأته فقال ليوسف : أعرض عن هذا الحديث ، ثم قال لها : « وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ » : دلّ على أنه لم يكن في شرعهم على الزنا حدّ - وإن كان محرّما حيث عدّه ذنبا . ويقال ليس كلّ أحد أهلا للبلاء ؛ لأن البلاء من صفة أرباب الولاء ، فأمّا الأجانب فيتجاوز عنهم ويخلى سبيلهم - لا لكرامة محلّهم - ولكن لحقارة قدرهم ، فهذا يوسف عليه السلام كان بريء السّاحة ، وظهرت للكلّ سلامة جانبه وابتلى بالسجن . وامرأة العزيز في سوء فعلها حيث قال : « إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ » ، وقال لها : « وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ » . . ثم لم تنزل بها شظية من البلاء . قوله جل ذكره : [ سورة يوسف ( 12 ) : آية 30 ] وَقالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ تُراوِدُ فَتاها عَنْ نَفْسِهِ قَدْ شَغَفَها حُبًّا إِنَّا لَنَراها فِي ضَلالٍ مُبِينٍ ( 30 )

--> ( 1 ) قيل هو صبي في المهد وهو ابن خال لها . وسمى قوله شهادة لأنه أدى مؤدى الشهادة في أن ثبت به قول يوسف وبطل قولها ( النسفي ج 2 ص 218 ) .