ابو القاسم عبد الكريم القشيري
173
لطائف الإشارات
قوله جل ذكره : [ سورة يوسف ( 12 ) : آية 14 ] قالُوا لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّا إِذاً لَخاسِرُونَ ( 14 ) لحق إخوة يوسف عليه السلام ما وصفوا به أنفسهم من الخسران حيث قالوا : « إِنَّا إِذاً لَخاسِرُونَ » : لأنّ من باع أخا مثل يوسف بمثل ذلك الثمن حقيق بأن يقال قد خسرت صفقته . ويقال لمّا عدوّا القوة في أنفسهم حين قالوا : « وَنَحْنُ عُصْبَةٌ » خذلوا حتى فعلوا « 1 » . ويقال لمّا ركن يعقوب - عليه السلام - إلى قولهم : « وَنَحْنُ عُصْبَةٌ » لقى ما لقى . قوله جل ذكره : [ سورة يوسف ( 12 ) : آية 15 ] فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ وَأَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيابَتِ الْجُبِّ وَأَوْحَيْنا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هذا وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ ( 15 ) الجواب فيه مقدّر ؛ ومعناه فلما ذهبوا بيوسف وعزموا على أن يلقوه في البئر فعلوا ما عزموا عليه . أو فلمّا ذهبوا به وألقوه في غيابة الجبّ أوحينا إليه ؛ فتكون الواو صلة . والإشارة فيه أنه لمّا حلّت به البلوى عجّلنا له التعريف بما ذكرنا من البشرى ؛ ليكون محمولا بالتعريف فما هو متحمّل له من البلاء العنيف . ويقال حين انقطعت على يوسف عليه السلام مراعاة أبيه حصل له الوحي من قبل مولاه ، وكذا سنّته تعالى أنه لا يفتح على نفوس أوليائه بابا من البلاء إلا فتح على قلوبهم أبواب الصفاء ، وفنون لطائف الولاء . قوله جل ذكره : [ سورة يوسف ( 12 ) : الآيات 16 إلى 17 ] وَجاؤُ أَباهُمْ عِشاءً يَبْكُونَ ( 16 ) قالُوا يا أَبانا إِنَّا ذَهَبْنا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنا يُوسُفَ عِنْدَ مَتاعِنا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ وَما أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنا وَلَوْ كُنَّا صادِقِينَ ( 17 ) تمكين الكذّاب من البكاء سمة خذلان اللّه تعالى إياه ، وفي الخبر : إذا كمل نفاق المرء ملك عينه حتى يبكى ما شاء . ويقال : لا يبعد أن يقال إنهم وإن جنوا على يوسف عليه السلام فقد ندموا على ما فعلوا ، فعلاهم البكاء لندمهم - وإن لم يظهروا لأبيهم - وتقوّلوا على الذّئب . قوله جل ذكره : [ سورة يوسف ( 12 ) : آية 18 ] وَجاؤُ عَلى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ قالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْراً فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفُونَ ( 18 ) .
--> ( 1 ) فقد كانت من دعاوى النفس .